سرطان “الريع الفلاحي” يهدد الأمن الاجتماعي: شبكات صامتة تلتهم مليارات الدعم وتتحكم في قوت المغاربة.. هل حان وقت “حملة تطهيرية” جديدة؟

لم تكن الأزمات المعيشية المتلاحقة التي تخنق بيوت المغاربة، من غلاء فاحش في أسعار اللحوم الحمراء إلى قفزات جنونية في أسعار الخضر والزيوت والحبوب، مجرد نتاج جفاف هيكلي أو تقلبات في الأسواق الدولية كما تروج الخطابات الرسمية. إن الغوص في كواليس القطاع الفلاحي المغربي يكشف عن حقيقة أكثر قتامة: تغلغل شبكة مصالح أخطبوطية صامتة، تحكمت في مفاصل الإنتاج والتصدير و الإستراد، واستغلت الدعم العمومي الممول من جيوب دافعي الضرائب لتحويله إلى “غنيمة” حصرية، مهددة بشكل مباشر الاستقرار والأمن الاجتماعي للمملكة.
هذا الوضع الحارق يعيد إلى الأذهان محطات تاريخية فاصلة، ويفتح الباب مشرعاً أمام تساؤل مركزي: هل باتت الدولة المغربية بحاجة إلى ثورة تطهيرية شاملة تعيد القطاع الفلاحي إلى سكة الحكامة؟
من تطهير المخدرات إلى زلزال المحاسبة: دروس التاريخ في مواجهة المافيا
إن تتبع مسار حماية الدولة لنفسها من شبكات الفساد المنظم يظهر أن القرارات الجريئة هي وحدها الكفيلة بقطع دابر الأخطبوط.
-
حملة 1996 التطهيرية: في منتصف تسعينيات القرن الماضي (عام 1996 بالتحديد)، قاد المغفور له الملك الحسن الثاني حملة تطهيرية كبرى وغير مسبوقة ضد بارونات وشبكات تجار المخدرات والتهريب. تلك الحملة نجحت في تفكيك شبكات عابرة للقارات، وأطاحت برؤوس ظنت لسنوات أنها فوق القانون، مما أعاد للدولة هيبتها وطهر المؤسسات من اختراقات المافيا المالكة للمال الحرام.
-
ثورة ربط المسؤولية بالمحاسبة: مع اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، دخلت المملكة مرحلة جديدة من الحكامة الترابية والتدبيرية عبر مأسسة “ربط المسؤولية بالمحاسبة”. هذه الثورة قادت خلال السنوات الأخيرة إلى سقوط مفسدي السياسة، وتوقيف ناهبي المال العام، وملاحقة برلمانيين ورؤساء جماعات في ملفات ثقيلة هزت الرأي العام، مؤكدة أن الحصانة السياسية لم تعد تحمي أحداً من سيف القضاء.
واليوم، يرى مراقبون وحقوقيون أن المعركة القادمة والضرورية يجب أن تتوجه صوب “الفراقشية الكبار” و”مافيات الريع الفلاحي” التي تلاعبت بلقمة عيش المواطن البسيط.
فضيحة “أغنام الدعم”: كيف وزعت “الغنيمة” وأُقصي الفلاح الصغير؟
تعتبر أزمة استيراد الأغنام المخصصة واللحوم الحمراء النقطة التي أفاضت الكأس، وجسدت بوضوح كيف يتحول المال العام إلى ريع مغلق. فبعد توالي أصوات برلمانية وحقوقية، تكشفت تفاصيل صادمة حول كيفية تدبير صفقات الدعم المباشر الممنوح للمستوردين (500 درهم عن كل رأس).
المعطيات تشير إلى أن جهة نافذة ومحدودة داخل المنظومة البيفلاحية نجحت في السيطرة على لوائح المستوردين، لتستحوذ شبكة من كبار المنعشين على حصة الأسد بنيل رخص استيراد دفعة واحدة بلغت حوالي 240 ألف رأس من الأغنام، في حين تُرِكت فتات الحصص (نحو 60 ألف رأس) موزعة على لجان وفلاحين صغار لتأثيث المشهد وإسكات الأصوات الغاضبة. هذا التلاعب باللوائح وحصر “الكعكة” في يد كارتل محدد، لم ينعكس إيجاباً على الأسواق، بل استمر الغلاء واستنزفت ميزانية الدولة لصالح مراكمة الثروات الفردية.
التغلغل الأخطبوطي: من يتحكم في القطاعات البيفلاحية بوزارة الفلاحة؟
الخطورة في القطاع الفلاحي تكمن في وجود بنية تنظيمية تسمى “القطاعات الفيدرالية البيمهنية” (Interprofessions)، والتي تحولت بمرور الوقت، وتحت غطاء “مخطط المغرب الأخضر” و”جيل أخضر”، إلى إقطاعيات خاصة تسيطر على قنوات التوزيع، التصدير،الإستيراد، والدعم. إنها شبكة صامتة تدير مؤسسات عمومية وشبه عمومية حيوية:
الفيدراليات البيفلاحية والكونفدرالية (كومادير): علبة سوداء تحتكر القرار والدعم
تعتبر الجناح التنفيذي الأقوى؛ فهي المظلة التي تجمع كافة الفيدراليات البيمهنية. يرى مهتمون بالشأن الفلاحي وتتحكم في صياغة عقود البرامج، وتضمن توجيه الدعم العمومي نحو كبار المنتجين و المستوردين والمصدرين على حساب الفلاحة التضامنية والمعاشية.
تتربع الكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية (كومادير – COMADER) على رأس الهرم التدبيري للقطاع، بصفتها المخاطب الحصري والوحيد باسم الفيدراليات البيفلاحية أمام الدولة. هذا الموقع الاستراتيجي حوّل الكونفدرالية بمرور السنوات إلى ما يشبه “العلبة السوداء” وصانعة “حكومة الظل الفلاحية” بالمملكة؛ فهي المهندس الفعلي لعقود البرامج المليارية، والمتحكم الأول في صياغة كناش التحملات وتوجيه الدعم المالي العمومي صَوْبَ كبار المنعشين العقاريين الفلاحيين والمصدرين، على حساب الفلاحة التضامنية والمعاشية التي تضمن القوت اليومي للمواطن.
إن هذا النفوذ الأخطبوطي يفرض اليوم كضرورة استعجالية رفع سريّة الاشتغال عن هذه الهيئة وطريقة إدارتها؛ إذ باتت الأصوات الحقوقية والمهنية تطالب بضرورة الإفصاح الشامل والعلني عن كيفية اتخاذ القرارات داخل “كومادير”، وتحديد المعايير المعتمدة في صياغة لوائح “المحظوظين” المستفيدين من كعكة التصدير واستيراد المواشي والأعلاف المدعمة و كل ما هو مرتبط بالقطاعات الفلاحية.
لم يعد مقبولاً أن تظل طريقة توزيع هذه الشراكات والامتيازات محاطة بالكتمان داخل غرف مظلمة و مغلقة، مما يستوجب إخضاع هذا التنظيم البيفلاحي لرقابة صارمة من طرف المجلس الأعلى للحسابات، لإجبارها على نشر تقارير مالية وتدبيرية شفافة تفكك طلاسم هذا الاحتكار، وتكشف للمغاربة أين تذهب أموال دافعي الضرائب، ومن يقف وراء تجويع الأسواق المحلية وتهديد السلم الاجتماعي للبلاد.
2. معضلة الفيدراليات البيفلاحية (اللحوم، الزيتون، الحبوب، الخضر)
-
فدرالية اللحوم الحمراء والماشية: تتحكم في حصص الاستيراد، وتحديد المسالخ، وتوجيه دعم الأعلاف (الشعير والسماد المكتنز)، وهي المسؤولة الأخلاقية عن قفز غلاء اللحوم إلى مستويات قياسية غير مسبوقة.
-
فدرالية الزيتون: رغم ملايين الشتلات التي غُرست، بيع زيت الزيتون للمغاربة بأسعار قياسية، بسبب الفوضى في قنوات التسويق وتحكم لجان محددة في صفقات العصر والتصدير.
-
فدراليات الحبوب والقطاني، والخضر والفواكه: هذه الأخيرة تثير الغضب الأكبر؛ إذ في عز الجفاف والشح المائي، أصر كبار المصدرين على استنزاف الفرشة المائية لإنتاج الطماطم والفواكه الحمراء وتصديرها نحو الأسواق الأوروبية لربح العملة الصعبة، مغرقين السوق المحلية في الخصاص، مما أدى لارتفاع أسعار “قوت الفقراء” (الطماطم والبطاطس والبصل).
تجميد أدوار المؤسسات التوجيهية وتوزيع أراضي “صوديا وسوجيطا”
وفي الوقت الذي يفترض في المكتب الوطني للاستشارة الفلاحية (ONCA) أن يقود قاطرة تأطير الفلاح الصغير لمواجهة التغيرات المناخية، تم تهميش أدوار هذه المؤسسات لفائدة شركات استشارية خاصة يملكها مقربون من دائرة النفوذ الفلاحي. وبالمثل، تحولت الغرف الفلاحية المهنية في العديد من الجهات إلى أجهزة انتخابية لتوزيع الامتيازات بدل الدفاع عن أمن المستهلك والمنتج الصغير.
ولا يمكن الحديث عن هذا الأخطبوط دون فتح ملف أراضي “صوديا” و”سوجيطا” (شركات التنمية الفلاحية العامة سابقاً). فخلال فترات تفويت هذه الأراضي الخصبة التابعة للدولة تحت ذمة الشراكة، تظهر التقارير أن مساحات شاسعة استراتيجية آلت إلى المتحكمين في القطاعات الفلاحية،و إلى شخصيات نافذة، وشركات كبرى، ومفسدي سياسة، بعقود كراء طويلة الأمد وبأثمنة رمزية، ليتحول وعاء عقاري كان مخصصاً لتحقيق الاكتفاء الذاتي للمملكة إلى ضيعات إنتاجية للتصدير الخارجي الشخصي.
صرخة لفتح تحقيق قضائي مستعجل: حقائق قد تصدم البلاد
إن المغرب اليوم، وبعد تجاوزه مخلفات جائحة كورونا وتوالي سنوات الإجهاد المائي، يجد نفسه أمام “حقيقة حارقة” لا يمكن حجبها بالغربال: تغلغل الفساد والريع الفلاحي ضرب القدرة الشرائية في مقتل، وهدد السلم الاجتماعي بشكل مباشر. إن استمرار هذه القلة في التحكم في الحصص، وتوجيه التصدير و الإستيراد، وتويزع الدعم، واحتكار أسواق الجملة وعمليات الوساطة (الشناقة الكبار المدعومين)، هو قنبلة موقوتة.
لذلك، تعلو الأصوات اليوم فحتى من داخل قبة البرلمان وهي المؤسسة التشريعية للبلاد بضرورة تحرك حكماء البلاد والقضاء العادل، ممثلاً في النيابة العامة والفرقة الوطنية للشرطة القضائية والمجلس الأعلى للحسابات، لفتح تحقيق قضائي مستعجل ومعمق حول:
-
كيف تم توزيع “غنيمة” ملايير الدعم الموجه للاستيراد والأعلاف بعد الجائحة؟
-
من هم الأشخاص الفعليون والشركات الواجهة التي تتحكم في لوائح المستوردين والمصدرين؟
-
مراجعة دفاتر التحملات الخاصة بأراضي صوديا وسوجيطا، واسترجاع الأراضي التي لم تحقق الأهداف التنموية الوطنية.
- الكشف عن لوائح المستفدين من الدعم و من حصص إستيراد الأغنام و الماشية و اللحوم.
- فضح الشبكات و المؤسسات التي تتحم في القطاع الفلاحي و العلاقة المتشعبة مع وزارة الفلاحة.
إن التحرك في هذا الملف الحارق سيكشف دون شك عن حقائق صادمة وشبكات مصالح خطيرة قد تتجاوز في حجمها المالي وأثرها التدميري ملفات المخدرات الكبرى أو قضايا الفساد السياسي الفردي؛ لأنها ببساطة شبكة تحكمت في الأمعاء الجائعة للمغاربة، وأحرقت الأخضر واليابس لتغتني، دافعة بالبلاد نحو حافة الاحتقان والإنفجار الاجتماعي. لقد حان وقت التطهير، وإعادة الاعتبار للمفهوم الحقيقي للأمن الغذائي الوطني.
وفي غمرة هذا التدبير المأزوم، تبرز الخطب التوجيهية الصارمة لجلالة الملك محمد السادس كبوصلة الأمان وقطع الحجة؛ إذ ما فتئ جلالته يؤكد في أعلى المنابر على النواة الصلبة لبناء مغرب الغد: “إن ربط المسؤولية بالمحاسبة هو مبدأ دستوري يطبق على جميع المغاربة، دون استثناء أو تمييز، بدءاً من المسؤولين الحكوميين وصولاً إلى أبسط المواطنين”. هذا الحسم الملكي يضع الأجهزة الرقابية والقضائية اليوم أمام مِحكّ تاريخي لترجمة منطوق الخطب السامية إلى أفعال ميدانية وملاحقات قضائية لا تستثني أحداً من حيتان هذا الإقطاع الفلاحي. إن الملاحقة لم تعد مجرد مطلب حقوقي عابر، بل هي ضرورة وجودية للدولة لحماية أمنها الغذائي، وضمان ألا يتحول الدعم والريع الفلاحي إلى ملجأ آمن للاغتناء غير المشروع على حساب عرق الشعب. لقد دقت ساعة الحقيقة، وعلى القضاء أن يتحمل مسؤوليته الدستورية لقطع دابر هذه الشبكات وتطهير مفاصل قوت المغاربة، تجسيداً للإرادة الملكية السامية التي لا ترضى للبلاد سوى النزاهة والعدالة والاستقرار الاجتماعي الشامل.






