صحة

التهراوي ومذكرته المتأخرة: خطاب فوقي لا يسد ثغرات انهيار الصحة العمومية

في وقت يترنح فيه القطاع الصحي تحت وطأة الاحتجاجات المتكررة والاستقالات المتتالية، أطل وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، بمذكرة عامة جاءت متأخرة ومفضوحة، موجهة لمسؤوليه بالوزارة، لتضع إطاراً يبدو فوقياً وبعيداً عن الواقع الميداني، بينما الأطباء والممرضون يواجهون تهديدات مباشرة ويعبرون عن غضبهم من سوء التدبير.

المذكرة، التي شددت على ضرورة حماية مهنيي الصحة وضمان بيئة عمل آمنة، لم تُرافق بأي خطة عملية أو حلول فعلية لمشاكل القطاع العميقة. فالتهديدات التي وصلت حد شل المستشفيات ودفعت الميدير الإقليمي بالقنيطرة إلى الاستقالة، واستدعاء آخرين للتفكير في الهجرة، لم يجد الوزير فيها سوى الكتابة على الورق، كما لو أن الكلمات الرنانة تكفي لحل أزمات عمرت سنوات.

التهراوي، الذي سبق أن أهان الأطر الطبية والتمريضية في زيارات ميدانية لبعض المستشفيات، حاول اليوم تقديم نفسه كمنقذ المهنة، متناسياً أن الفعل أهم من الخطاب، وأن ضمان الكرامة لا يُستعاد بمجرد منشورات رسمية، بل بمقاربة إصلاحية جذرية تعيد للقطاع صحته ومصداقيته.

المذكرة تضمنت توجيهات تقليدية: توفير حراس أمن وكاميرات، متابعة قضائية لحالات الاعتداء، تقارير إلزامية، وتسريع صرف التعويضات، لكنها لم تتطرق إلى السبب الجوهري لكل هذا الغضب: ضعف البنية الصحية، النقص الحاد في الموارد، تدبير فاشل للموارد البشرية، وإهمال الاستماع لمطالب العاملين.

الفشل الحقيقي للتهراوي يظهر في أن المذكرة جاءت بعد تراكم الاحتجاجات والاستقالات، بعد أن وصلت الاحتجاجات حد المطالبة بهجرة الأطر الطبية، وليس قبل ذلك، مما يجعلها مجرد محاولة للتغطية على الإخفاقات وليس إصلاحاً حقيقياً.

اليوم، الرأي العام يطرح سؤالاً صريحاً: كيف لوزير لا يفقه في تدبير الملفات الصحية أن يواجه أزمة عميقة بالخطابات وحدها؟ وكيف يمكن لأي منشور مكتوب أن يرضي أطر وموظفين اعتادوا على تجاهل مطالبهم وإهانتهم في الميدان؟

إن ما يعيشه القطاع الصحي العمومي اليوم هو نتيجة  لسوء التدبير والعشوائية والقرارات الانفرادية، والمذكرة الأخيرة للتهراوي لا تعدو أن تكون غطاءً شكلياً على انهيار شبه كامل، وتذكيراً بأن الكلمات الكبيرة لا تصنع صحة عمومية، ولا تحمي كرامة من باتوا يحرسون حياة المواطنين بأقصى حدود إرادتهم وجهدهم، وسط وزارة عاجزة عن الإصلاح الفعلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى