قضايا

فاس تختنق بلاكسيفيا”… العمدة يعترف والموت الصامت يلاحق السكان من بوابة مطرح النفايات

في مشهد يختزل عبثية التسيير المحلي، باتت الروائح الكريهة المنبعثة من مطرح النفايات بطريق سيدي حرازم بفاس أشبه ما تكون بغاز خفي يشن حربًا يومية على صحة السكان دون سابق إنذار. روائح تزكم الأنوف وتبعث برسائل اختناق إلى الآلاف من ساكنة مقاطعة سايس والأحياء المجاورة، دون أن تجد صدى لدى مسؤولي المدينة، وكأن الأمر لا يستحق حتى التنديد.

ليلة أمس، كانت فاس على موعد مع موجة شرقية ساخنة زادت الوضع سوءًا، حيث اجتاحت رياح قوية محملة بسموم العصارة السامة “لاكسيفيا” العديد من الأحياء، من أفق طريق إيموزار وحتى قلب سايس، مرورًا بالمستشفى الجامعي الحسن الثاني، الذي وجد مرضاه أنفسهم في صراع مزدوج: طلب الشفاء من جهة، ومحاولة التنفس وسط أجواء ملغومة من جهة ثانية.

تلامس الأزمة بؤرًا استراتيجية في المدينة، من محيط كلية الطب والصيدلة، إلى رحاب المحاكم، حيث يرتاد آلاف المواطنين يوميًا، وصولًا إلى المركب الرياضي الكبير لفاس، والذي تحول إلى فخ صحيّ يُهدد الجمهور والرياضيين على حد سواء. هذه البؤرة السوداء المتمثلة في المطرح لم تعد فقط أزمة بيئية، بل صارت خطرًا مباشرا على الأمن الصحي العام.

الأخطر في كل هذا، هو ما صرح به رئيس المجلس الجماعي لفاس، العمدة عبد السلام البقالي، خلال دورة استثنائية للمجلس، حين كشف بعجرفة باردة أن الجماعة لا تزال “تنظر” في كيفية التخلص من عصارة “لاكسيفيا”، وأنه وخلال السنتين الأخيرتين، تم تصريفها في الوديان، أي في منابع المياه التي تشق الأراضي الفلاحية، بل وتُستغل أحيانًا في السقي وربما الشرب. اعتراف خطير يُعادل من حيث المبدأ جريمة بيئية مكتملة الأركان، ويستدعي فتح تحقيق قضائي عاجل لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات.

هذا الاعتراف ليس فقط إساءة لتدبير الشأن المحلي، بل هو دليل صارخ على غياب أي رؤية أو استراتيجية بيئية لدى العمدة ومجلسه، الذين حولوا مطرح النفايات إلى برميل كيميائي مفتوح يُهدد البشر والشجر والحجر. لا يكفي أن يخرج العمدة بتصريحاته أمام الكاميرات، بل المطلوب هو المساءلة الجنائية، لأن التخلص من نفايات سامة عبر المجاري الطبيعية لا يدخل إلا في خانة الإهمال المتعمد، إن لم نقل جريمة مكتملة الأركان.

ويكفي التذكير بما وقع خلال مباراة كأس العرش، حيث اضطر المنظمون إلى رش معطرات الجو في المنصة الرسمية للمركب الرياضي لتدارك الروائح الكريهة التي اجتاحت المكان بحضور مسؤولين كبار وهو ما يؤكد أن الكارثة لم تعد خفية أو موضع تذمر سكان الهامش، بل باتت شاهدة على عجز سلطات المدينة أمام ملف بيئي وصحي مروع.

مدينة فاس، التي كانت في ما مضى عاصمة للعلم والحضارة، تعاني اليوم من روائح المطرح القاتلة، ومن مجلس جماعي عاجز عن تدبير أبسط الملفات، يتستر على الكوارث بدل مواجهتها، ويترك عشرات الآلاف من السكان، بمن فيهم المرضى والطلبة والمرتفقين، رهائن للغازات السامة وعصارة الموت.

فهل يتحرك القضاء من أجل فتح هذا الملف الثقيل؟ وهل يتحرك وزير الداخلية ليربط المسؤولية بالمحاسبة، كما دعا إلى ذلك جلالة الملك محمد السادس في خطبه الأخيرة؟ أم أن أرواح الفاسيين ستبقى تحت رحمة “لاكسيفيا” وتهور مسؤولين لا يدركون حجم الجرم الذي يقترفون؟

الخطر بات واقعًا، والاختناق لم يعد مجازيًا، وما يحدث اليوم في فاس هو فضيحة بيئية وصحية بامتياز، تتطلب المحاسبة لا الشعارات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى