سياسة

حين تواطأت المعارضة مع الأغلبية: إقبار مهمة برلمانية كانت ستكشف خبايا دعم استيراد اللحوم

في مشهد يكشف عطبًا بنيويًا عميقًا في الممارسة الرقابية بالمغرب، تتجه المهمة الاستطلاعية المؤقتة بمجلس النواب، حول “البرامج والإجراءات المتخذة لدعم استيراد الأبقار والأغنام واللحوم”، نحو المجهول، بعد أن جرى عمليًا إقبارها نتيجة خلافات سياسية ظاهرها شكلي، وباطنها اتفاق غير معلن على دفن الحقيقة.

فرغم مصادقة مكتب مجلس النواب رسميًا على تشكيل هذه المهمة، وبدء الإجراءات الإدارية لانتداب ممثلين عنها من مختلف الفرق، فوجئ الرأي العام السياسي باعتذارات جماعية من فرق كانت حتى الأمس القريب تصف نفسها بـ”المعارِضة” الصلبة، وعلى رأسها التقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية، اللذين عبّرا كتابة عن “عدم الاهتمام” بالمشاركة في هذه المهمة، بذريعة أنها خضعت لمنطق الأغلبية وخالفت مقتضيات النظام الداخلي.

لكن المثير أكثر، هو الموقف المتخاذل الذي عبّر عنه الفريق البرلماني للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الحزب الذي ما زال يتأرجح بين معارضة لفظية ودعم ميداني للحكومة، والذي فضّل التزام الصمت بدل الدفاع عن تشكيل المهمة أو الانسحاب منها بوضوح، ما يؤكد الشكوك حول انخراطه العملي في تمييع هذه المبادرة البرلمانية الحساسة.

لقد كان من المنتظر أن تُشكّل هذه المهمة فرصة سياسية نادرة لتسليط الضوء على ملف دعم استيراد اللحوم الذي أثار الكثير من علامات الاستفهام، خاصة في ظل انفجار الأسعار واتهامات محيطة بغياب الشفافية في اختيار المستفيدين من الدعم، والتلاعب بكميات اللحوم المستوردة، وجودتها، ومطابقتها للمعايير الصحية، بل وترويج لحوم مشبوهة في السوق الوطني.

الانسحابات المتوالية، والمواقف الضبابية، كشفت أن الفرق البرلمانية، خصوصًا من صفوف المعارضة، لم تكن يوماً جادة في لعب أدوارها الرقابية، بل تحوّلت إلى شريك فعلي في التستر على اختلالات محتملة قد تكون لها كلفة مباشرة على الأمن الغذائي وصحة المواطنين.

ولأن الذاكرة السياسية لا تمحى بسهولة، فإن الرأي العام لن ينسى كيف وُئدت مهمة برلمانية كان يمكن أن تشكل مدخلًا للمساءلة، فقط لأن بعض الأحزاب ارتضت أن تكون جزءًا من التوازنات الظرفية أكثر من كونها صوتًا للشعب.

فهل أصبحت “المعارضة” مجرد وظيفة رمزية في معادلة برلمانية تحكمها صفقات غير معلنة؟ وهل بات “دفن الحقيقة” هو القاسم المشترك بين الأغلبية وخصومها المفترضين؟

في بلد يواجه أزمات معيشية متفاقمة، وفي وقت يُسائل فيه المواطنون المؤسسات عن مصير دعم الخبز واللحوم والحليب، يبدو أن المؤسسة التشريعية ـ بكل مكوناتها ـ فضّلت أن تحني رأسها للعاصفة، لا أن تكشفها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى