فاس تحت الحصار: حافلات النقل الطرقي للمسافرين تُغرق الأحياء والفوضى تُهدد الساكنة

تعيش مدينة فاس، العاصمة الروحية للمملكة، على وقع ظاهرة مزعجة باتت تؤرق الساكنة وتشوّه جمالية المدينة وتضغط على بنيتها الحضرية؛ إنّها ظاهرة إغراق الأحياء بحافلات النقل الطرقي للمسافرين، والتي باتت تنتشر بشكل عشوائي في عدد من الشوارع الرئيسية، محولة المدينة إلى ما يشبه “محطة طرقية مفتوحة”، دون احترام لمعايير التنظيم الحضري ولا كرامة المواطنين.
ففي شوارع حيوية مثل طريق صفرو، شارع مولاي رشيد، شارع الجيش الملكي، شارع محمد السادس، ومخرجي باب أفتوح وعين النقي، أصبح مشهد الحافلات المتراصة والمارة المتنقلين بين أمتعتهم مشهداً يومياً. هذه المناطق تحوّلت بفعل غياب المراقبة الصارمة وضعف التخطيط إلى محطات عشوائية تسهم في الاكتظاظ المروري، وتُعقّد حياة الساكنة القريبة التي تجد نفسها مضطرة للتعايش مع الضجيج والتلوث والفوضى على مدار الساعة.
ورغم توفر المدينة على محطة طرقية رسمية، إلا أنها تبقى بعيدة نسبياً عن الأحياء السكنية ذات الكثافة العالية، ولا تستجيب بالشكل الكافي لحاجيات المسافرين، سواء من حيث الموقع أو من حيث الخدمات الأساسية. هذا الضعف في أداء المحطة الطرقية الرسمية و تردي بنياتها و مرافقها ساهم بشكل مباشر في تفريخ “محطات موازية” في قلب المدينة، حيث تُفضل شركات النقل والأفراد التوقف في أماكن تسهّل وصول الزبائن وتختصر الزمن، ولو على حساب القانون والنظام العام.
النتائج السلبية لهذه الظاهرة لا تتوقف عند حد الإزعاج فقط، بل تمتد إلى تأثيرات أعمق على مستوى جودة الحياة. فالأحياء المتضررة تشهد تراجعاً في قيمة العقارات، وتزايداً في شكايات السكان، وتنامياً لحالة الاستياء العام. كما أن التوسع العمراني المرتبط بهذه الفوضى يعمّق اختلالات التوازن الحضري، ويعيق كل محاولة لتطوير البنية التحتية بشكل منتظم ومستدام.
و بات من الضروري، بل ومن المستعجل، أن تتدخل السلطات المحلية ومجالس المدينة، إلى جانب وزارة النقل والجهات الأمنية، لإعادة الأمور إلى نصابها. مطلوب رؤية متكاملة لإصلاح منظومة النقل الطرقي داخل المدينة، توازن بين حق المسافر في التنقل السلس وحق الساكنة في بيئة منظمة وآمنة.
تطوير المحطة الطرقية الحالية أو إنشاء أخرى أكثر قرباً من النسيج الحضري، مع تعزيز المراقبة والزجر في حق مستغلي الفوضى، يمثل جزءاً من الحل. كما يجب التفكير في حلول تقنية، مثل الحجز المسبق الرقمي وتنظيم السير بذكاء حضري، لتقليص مظاهر العشوائية والارتجال.
مدينة فاس، بتاريخها العريق ومكانتها الرمزية، تستحق تنظيماً حضرياً يليق بها،فهي على أبواب تنظيم تظاهرات قارية و عالمية،إذن لا مجال لزرع فوضى تنقل تُفرغ الشوارع من وظيفتها وتُثقل كاهل ساكنتها. فهل تتحرك الجهات المعنية قبل أن تغرق المدينة أكثر في متاهة النقل غير العشوائي؟






