مجتمع

تقرير :”نزيف” الخيرات في “عين سايس”: شركة المياه تروي أرباحها وعطش التنمية يفتك بالأهالي

في أحضان جماعة عين البيضا الهادئة، على مرمى حجر من مدينة فاس الصاخبة، يتجسد واقع اقتصادي واجتماعي مرير. هنا، حيث تجود الأرض بمياه جوفية عذبة وعيون رقراقة، تستثمر شركة مياه “عين سايس” طاقتها لتعليب هذه الثروة الطبيعية وتوزيعها على نطاق واسع. لكن، بينما تتدفق الخيرات من باطن الأرض لتنعش جيوب الشركة ومستهلكين بعيدين، يعيش سكان المنطقة على وقع إحساس عميق بالاستغلال والتهميش.

لا يحتاج الزائر إلى التعمق كثيراً ليكتشف حجم التناقض الصارخ. الطرق المؤدية إلى مصنع التعبئة، التي تستخدمها الشاحنات الضخمة المحملة بـ “الذهب الأزرق”، تشهد على إهمال مزرٍ. حفر عميقة تعيق حركة السكان، وتشققات واسعة تهدد سلامة المركبات، وغياب تام لأي بوادر صيانة تليق بحجم النشاط الاقتصادي المزدهر في المنطقة. هذا الإهمال ليس مجرد تفصيل بسيط، بل هو تجسيد مادي لغياب الاكتراث بمعاناة الأهالي الذين يتحملون وطأة هذا العبء اليومي.

إن استنزاف الموارد الطبيعية يجب أن يقابله التزام حقيقي تجاه المجتمع المحلي. لكن في حالة “عين سايس”، يبدو أن المعادلة مختلة تماماً. لا يلمس سكان المنطقة أي مساهمة فعلية من الشركة في تحسين ظروف حياتهم. لا مشاريع تنموية تستهدف الشباب الطموح، ولا دعم يذكر للمؤسسات التعليمية أو الصحية التي تخدم أبناءهم. حتى المبادرات الاجتماعية البسيطة تبدو غائبة تماماً عن أجندة الشركة، وكأن وجودها في المنطقة يقتصر فقط على إستنزاف و استخلاص المياه وتحقيق الأرباح.

هذا الغياب الملحوظ للمسؤولية المجتمعية يطرح تساؤلات جوهرية حول أخلاقيات الشركات التي تعتمد في نجاحها على ثروات المناطق التي تعمل بها. فبينما تحقق “عين سايس” نمواً وازدهاراً بفضل مياه عين البيضا، يرى الأهالي أنفسهم مهمشين، محرومين من أبسط مقومات التنمية التي يجب أن تكون حقاً مشروعاً لهم في ظل وجود هذا “المنجم المائي” على أرضهم. الشعور بالمرارة يتفاقم مع الإدراك بأن هذه الثروة الطبيعية تغادر المنطقة دون أن تترك أثراً إيجابياً ملموساً في حياة من هم الأحق بها.

يتجاوز القلق حدود البنية التحتية والتنمية المجتمعية ليلامس قضية حيوية تهدد مستقبل المنطقة بأسرها: استنزاف المياه الجوفية. في ظل التغيرات المناخية الحادة وشح الموارد المائية الذي يلوح في الأفق، يراقب سكان عين البيضا بقلق بالغ الكميات الهائلة من المياه التي تستخرجها الشركة يومياً. الخوف من نضوب الآبار والعيون التي تشكل شريان حياتهم الزراعية والشخصية يتزايد مع مرور الوقت. هل تضع الشركة في اعتبارها الاستدامة البيئية وحقوق الأجيال القادمة، أم أن الأولوية القصوى تبقى لتحقيق أقصى قدر من الأرباح على حساب مستقبل المنطقة؟

لقد طفح الكيل لدى أهالي عين البيضا. لم يعد الصمت خياراً، وبدأت أصوات المطالبة بالإنصاف والمسؤولية ترتفع تدريجياً. إنهم يطالبون شركة مياه “عين سايس” بالاعتراف بمسؤوليتها الكاملة تجاه المجتمع الذي يحتضن مصدر ثروتها. إنهم ينتظرون مبادرات حقيقية تترجم الأرباح إلى مشاريع تنموية ملموسة، تعيد تأهيل البنية التحتية المتهالكة، وتساهم في بناء مستقبل أفضل لأبنائهم. إنهم يطالبون بسياسات شفافة ومستدامة تضمن الحفاظ على المياه الجوفية، لا كسلعة قابلة للاستنزاف، بل كمورد حيوي يجب صونه للأجيال القادمة.

يبقى السؤال معلقاً: هل ستستمع شركة “عين سايس” إلى صرخات الاستغاثة الصامتة المنبعثة من قلب عين البيضا؟ هل ستدرك أن الازدهار الحقيقي لا يتحقق إلا من خلال شراكة حقيقية ومسؤولية مشتركة تجاه المجتمعات التي تستضيف أنشطتها؟ أم سيستمر “نزيف” الخيرات، تاركاً خلفه منطقة تعاني من “عطش” مزمن للتنمية والإنصاف، بينما تروي الشركة أرباحها على حساب آمال وأحلام الأهالي؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد مستقبل العلاقة بين الطرفين، وستكشف عن الوجه الحقيقي للمسؤولية الاجتماعية في عالم الأعمال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى