وزير الداخلية يتصدر المشهد: لا عطلة في زمن الإصلاحات الكبرى

في خطوة لا تخلو من رسائل سياسية قوية، اختار وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أن يتخلى طواعية عن إجازته الصيفية، بينما سارع عدد من وزراء حكومة أخنوش إلى حزم حقائبهم والسفر خارج البلاد في عطلة الأسبوعين التي منحتها الحكومة لأعضائها.
لكن الداخلية لم تدخل العطلة، بل أعلنت حالة استنفار غير معلن، بمشاركة عدد من كبار مسؤولي الإدارة المركزية، من ولاة وعمال بارزين، اختاروا أيضًا طواعية البقاء في مكاتبهم، وعلى رأسهم مولاي إدريس الجوهري، حسن أغماري، جلول صمصم، مصطفى الهبطي، حسن فاتح، وغيرهم، تأكيدًا على أن خدمة الوطن لا تُؤجَّل ولا تؤطر بتقويم سياحي.
ترجمة فورية للخطاب الملكي: التنمية أولًا
القرار لم يكن معزولًا عن سياقه الوطني، بل جاء استجابة مباشرة لمضامين الخطاب الملكي الأخير، الذي رسم معالم مرحلة جديدة، محورها العدالة المجالية والنموذج التنموي القائم على مبدأ “المغرب الممكن”.
ففي الوقت الذي تتباطأ فيه العديد من القطاعات الحكومية في تحويل التوجيهات الملكية إلى برامج ملموسة، أظهرت وزارة الداخلية أنها أول من يلتقط الإشارات الملكية ويحولها إلى أوراش تنفيذية، واضعةً ورش التنمية المجالية في صدارة أولوياتها، باعتباره ورشًا مؤسسًا لما تبقى من عمر هذه الولاية السياسية.
الانتخابات المقبلة: الإعداد بدأ قبل الصافرة
في موازاة ورش التنمية، شرعت الداخلية في تحضير مبكر للانتخابات التشريعية المقبلة، رغم أن موعدها لا يزال بعيدًا. فالاشتغال على التقطيع الانتخابي، مراجعة القوانين، وضبط الإطار التشريعي العام للانتخابات، كلها مهام تُنجز اليوم بهدوء إداري بعيدًا عن الأضواء.
هذا الاشتغال الصامت يحمل دلالات واضحة: الدولة تستعد، والإدارة تتحرك، بينما عدد من الفاعلين السياسيين لم يستفيقوا بعد من سباتهم، وكأنهم ينتظرون مفاجآت اللحظات الأخيرة.
ومن هنا، يظهر أن وزارة الداخلية لا تنتظر أحدًا، بل تسير وفق إيقاع الإصلاح، تاركة الباقين في منطقة الراحة.
لفتيت يعيد تفعيل منطق الدولة الصلبة
ليس جديدًا على وزير الداخلية أن يُجسد الانضباط المؤسساتي والمسؤولية الصارمة. لكن قراره الأخير يوجه رسائل واضحة: أن من يتحمل مسؤولية قيادة قطاع سيادي، لا يحق له الغياب حين تكون البلاد بصدد تنزيل أوراش كبرى.
لقد نجح لفتيت في تثبيت نفسه كرقم صعب في المعادلة الحكومية، سواء من خلال متابعته الدقيقة لأداء رجال السلطة، أو من خلال تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، أو من خلال هذا القرار الرمزي الذي يفوق في معناه عشرات البلاغات الوزارية الفارغة.
حين تشتغل الدولة وتصمت الأحزاب
في وقت يلهث فيه بعض السياسيين خلف المنصات والفرص، ويستسلم وزراء للعطلة وكأنهم ليسوا جزءًا من آلة الحكم، تبرز وزارة الداخلية كاستثناء نادر، يقلب المعادلات ويعيد تعريف معنى الالتزام والمسؤولية.
صيف هذه السنة لا يشبه ما سبقه، لأنه انطلق برسائل من أعلى سلطة في البلاد، ووجد من يترجمها من دون تردد. فحين تختار وزارة سيادية أن تبقى في قلب العمل بينما يغادر الباقون، فذلك يعني شيئًا واحدًا: أن الدولة قررت أن تتحرك… شاء من شاء، ونام من نام.






