مجتمع

والي فاس مكناس يخمد النيران الاجتماعية لصناع الفخار ببنجليق.. أيت طالب يدخل على خط الأزمة وولاية الجهة تتجه لتوفير أرض لاستخراج الطين

تمكنت ولاية جهة فاس مكناس من احتواء واحدة من أكثر الملفات الاجتماعية حساسية التي عرفها قطاع الصناعة التقليدية خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما قرر صناع الزليج والفخار ببنجليق، نواحي فاس، رفع اعتصامهم المفتوح والعودة إلى ورشاتهم، عقب تحرك السلطات الولائية وفتح قنوات الحوار مع المهنيين، في تطور أعاد الهدوء إلى واحد من أهم مراكز صناعة الزليج والفخار التقليدي بالجهة.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن والي جهة فاس مكناس، خالد أيت طالب، دخل شخصياً على خط الملف، في ظل إدراك حجم التداعيات الاجتماعية والاقتصادية التي كان يمكن أن تترتب عن استمرار الاحتقان، خصوصاً أن أزمة الطين لم تعد مجرد إشكال تقني يهم المادة الأولية، وإنما تحولت إلى قضية ترتبط مباشرة باستمرارية مئات الورشات ومداخيل الحرفيين والأسر المرتبطة بهذه الصناعة.

وتتجه ولاية جهة فاس مكناس، وفق المعطيات المتداولة في أعقاب الاتصالات التي جرت مع ممثلي المهنيين، إلى تخصيص وعاء عقاري للجمعية المعنية، بما يسمح بإنشاء واستغلال مقلع للطين وفق المساطر القانونية الجاري بها العمل، وهو ما من شأنه أن يوفر للصناع مورداً أكثر استقراراً للمادة الأولية التي تقوم عليها صناعة الزليج والفخار ببنجليق.

ويأتي هذا التحرك بعد أيام من الاحتجاج والاعتصام الذي خاضه المهنيون منذ 26 شتنبر الماضي، بعدما وصلت أزمة توفير الطين إلى مرحلة اعتبرها الصناع مهددة لاستمرار نشاطهم. وقررت جمعية الإخاء لصناع الزليج والفخار ببنجليق فض الاعتصام ابتداء من الثلاثاء 6 أكتوبر، عقب تلقي تطمينات من مسؤولي ولاية الجهة بشأن العمل على توفير المادة الأولية ومواصلة المساطر القانونية المرتبطة بإحداث مقلع جديد.

من أزمة الطين إلى أزمة اجتماعية

ما وقع في بنجليق لم يكن احتجاجاً عابراً، فالطين بالنسبة للصانع التقليدي ليس مادة ثانوية يمكن تعويضها بسهولة، وإنما يمثل الحلقة الأولى في سلسلة إنتاج كاملة تبدأ باستخراج المادة الأولية وتنتهي بمنتوج يحمل اسم فاس إلى الأسواق الوطنية والدولية.

ولهذا السبب، وجد المهنيون أنفسهم أمام معادلة صعبة خلال الأشهر الماضية: ارتفاع صعوبات الحصول على الطين، شكاوى بشأن جودة المادة المتوفرة، وتوقف عدد من الورشات أو تراجع إنتاجها، بالتوازي مع مخاوف من تأثير المكننة على الزليج اليدوي التقليدي.

وكان المهنيون قد خاضوا في يوليوز الماضي إضراباً عن العمل وأغلقوا ورشاتهم، قبل تنظيم وقفة أمام ولاية جهة فاس مكناس احتجاجاً على ندرة المادة الأولية ورداءة جودتها، ما يؤكد أن الملف لم يظهر فجأة في شتنبر، وإنما راكم منذ أشهر مؤشرات الاحتقان.

وعندما عاد الصناع إلى الاحتجاج في نهاية شتنبر، انتقل الملف إلى مرحلة أكثر حساسية، بعدما اختار المهنيون الاعتصام المفتوح داخل فضاء بنجليق والتوقف عن العمل، في رسالة واضحة مفادها أن استمرار أزمة المادة الأولية بات يمس مباشرة قدرتهم على الحفاظ على ورشاتهم ومداخيلهم.

أيت طالب يختار الحوار قبل أن تتسع دائرة الاحتقان

في هذا السياق، برز تدخل والي جهة فاس مكناس، خالد أيت طالب، باعتباره تحركاً يركز على احتواء الأزمة من جذورها بدل الاكتفاء بالتعامل مع مظاهرها الاحتجاجية.

وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من طبيعة الملف نفسه، إذ لا يتعلق الأمر بمطلب فئوي محدود، وإنما بقطاع حرفي يرتبط بالهوية الاقتصادية والثقافية لفاس، ويشغل آلاف المهنيين والعاملين بشكل مباشر وغير مباشر، فضلاً عن ارتباطه بمقاولات تقوم بتسويق وتصدير الزليج التقليدي إلى الخارج.

وتفيد المعطيات المنشورة بأن جمعية الإخاء اعتبرت أن سياسة الأبواب المفتوحة التي انتهجتها ولاية الجهة ساهمت في الوصول إلى صيغة مكنت المهنيين من فض الاعتصام، بعدما جرى الالتزام بالعمل على توفير المادة الخام ومواصلة المساطر القانونية لإخراج مقلع جديد إلى حيز الاستغلال.

وهنا تكمن أهمية التدخل الولائي: فالنجاح في تهدئة الاحتجاج لا يقاس فقط بعودة المحتجين إلى منازلهم، وإنما بقدرة الإدارة على تحويل الوعود إلى حل دائم يمنع عودة الأزمة من جديد.

نحو حل أكثر استدامة.. مقلع جديد ينهي التبعية لمصدر واحد

أحد أبرز المطالب التي رفعها المهنيون خلال احتجاجاتهم كان توفير أكثر من مصدر للمادة الأولية، بما يضمن المنافسة واستقرار التموين ويحمي الورشات من أي اضطراب مستقبلي.

وتشير معطيات مهنية إلى أن أزمة المادة الأولية برزت بشكل متزايد خلال السنوات الأخيرة، فيما يطالب الصناع بفتح مقالع إضافية للطين، معتبرين أن تعدد مصادر التموين من شأنه أن يمنح المهنيين هامشاً أكبر في الاختيار ويساعد على استقرار الأسعار والجودة.

ومن هذه الزاوية، فإن الاتجاه نحو تخصيص أرض لفائدة الجمعية واستكمال المساطر القانونية لاستغلالها لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد حل مؤقت لاحتجاج انتهى، بل كفرصة لإعادة تنظيم واحدة من أهم الحلقات في سلسلة صناعة الزليج الفاسي.

فالقطاع يحتاج إلى الانتقال من منطق تدبير الأزمات عند وقوعها إلى بناء منظومة دائمة للمواد الأولية، تضمن للصانع إمكانية الاشتغال دون أن يجد نفسه كل بضعة أشهر مضطراً إلى الاحتجاج من أجل الحصول على الطين.

أزمة تهدد قطاعاً يتجاوز حدود فاس

وتكشف تفاصيل الاحتجاج أن أزمة بنجليق أكبر من مجرد خلاف حول مقلع أو مصدر للطين، إذ سبق للمهنيين أن حذروا من تأثير نقص المادة الأولية على الإنتاج وعلى المقاولات التي ترتبط بأسواق خارجية.

كما تحدثت جمعيات مهنية عن تراجع في صادرات الزليج خلال السنة الجارية، وعن تأثير ذلك على رقم معاملات المقاولات المصدرة وعلى الأسر التي تعتمد على هذه الحرفة في معيشتها، فيما قدرت مصادر مهنية عدد الأشخاص المرتبطين بالقطاع بحوالي 20 ألف شخص، وإن كانت الأرقام تختلف بحسب طريقة احتساب العاملين المباشرين وغير المباشرين.

ويضاف إلى ذلك ملف المكننة، الذي أصبح بدوره جزءاً من النقاش حول مستقبل الزليج الفاسي، إذ يخشى مهنيون أن يؤدي التوسع في الإنتاج الآلي إلى تراجع مكانة الزليج اليدوي الذي يعتمد على مهارة المعلم وخبرة الصانع المتوارثة عبر الأجيال.

وبالتالي، فإن أي معالجة جدية لملف بنجليق لا يمكن أن تتوقف عند توفير الطين، بل تحتاج إلى مقاربة متكاملة تشمل المادة الأولية، وظروف العمل، وتأهيل الفضاء الحرفي، وحماية الزليج اليدوي، ودعم القدرة التنافسية للمقاولات المصدرة.

رفع الاعتصام.. نهاية جولة وبداية اختبار

وبفض الاعتصام الذي استمر 11 يوماً، تكون ولاية جهة فاس مكناس قد نجحت في فتح مخرج للأزمة الحالية، بعدما اختار المهنيون منح الحوار والمساطر القانونية فرصة جديدة.

لكن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن.

فالمهنيون ينتظرون أن تتحول التطمينات إلى إجراءات ملموسة، وأن يتم تسريع المساطر المتعلقة بالمقلع المقترح، خصوصاً أن الجمعية تحدثت عن أجل أقصاه ستة أسابيع لإخراج مقلع تملكه تعاونية الزليج الفاسي ببنجليق إلى حيز الاستغلال.

ومن هنا تبرز مسؤولية والي الجهة خالد أيت طالب في مواصلة تتبع الملف، ليس فقط من أجل منع عودة الاحتجاج، وإنما لضمان معالجة أصل المشكلة التي دفعت الصناع إلى الشارع في المقام الأول.

فالرسالة التي حملها احتجاج بنجليق كانت واضحة: الصناعة التقليدية لا يمكن أن تستمر بالشعارات وحدها، والصانع يحتاج قبل كل شيء إلى المادة الأولية وظروف العمل والاستقرار.

وإذا نجحت ولاية جهة فاس مكناس في تحويل هذا التدخل إلى حل مستدام، فإن ما بدأ كأزمة اجتماعية وحرفية قد يتحول إلى نموذج في تدبير الملفات المحلية بالحوار والتنسيق بين الإدارة والمهنيين، خصوصاً أن حماية الزليج والفخار الفاسي لا ترتبط فقط بالحفاظ على تراث المدينة، وإنما أيضاً بحماية مورد رزق آلاف الأسر واستمرار نشاط اقتصادي يحمل اسم فاس إلى داخل المغرب وخارجه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى