قضايا

فرنسا أمام غضب الشارع.. التلاميذ والطلبة يشعلون أكبر موجة احتجاجات وقرار بوقف القنابل الصوتية بعد بتر يد قاصر

دخلت الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا مرحلة جديدة شديدة الحساسية، بعدما انتقل الغضب من المدارس والثانويات إلى الشوارع والساحات، وانضم آلاف الطلبة والتلاميذ إلى حراك اجتماعي اتسع بسرعة ليشمل الأساتذة والآباء والنقابات وشرائح مختلفة من المجتمع، فيما باتت طريقة تعامل قوات الأمن مع المحتجين واحدة من أبرز نقاط التوتر التي تهدد بتحويل أزمة التعليم إلى أزمة اجتماعية وسياسية أوسع.

وكان يوم الثلاثاء 6 أكتوبر محطة مفصلية في هذا الحراك، بعدما خرج مئات الآلاف إلى الشوارع في مدن فرنسية عديدة، احتجاجاً على أوضاع المؤسسات التعليمية، ونقص المدرسين، والاكتظاظ، وتدهور البنية التحتية، وطول ساعات الدراسة، إلى جانب مطالب مرتبطة بمسارات الولوج إلى التعليم العالي. وقدرت وزارة الداخلية الفرنسية عدد المشاركين بنحو 266 ألف شخص، بينما رفعت الجهات المنظمة الرقم إلى حوالي 450 ألفاً. وسجلت السلطات 488 عملية توقيف خلال احتجاجات ذلك اليوم.

لكن التطور الأخطر في هذه الأزمة لا يكمن فقط في حجم الأعداد، وإنما في دخول التلاميذ والطلبة، وبينهم قاصرون، إلى قلب المواجهة في الشارع. فحين تتحول الاحتجاجات من تحركات نقابية أو سياسية تقودها تنظيمات معروفة إلى حركة يقودها تلاميذ وطلبة، تصبح عملية احتوائها أكثر تعقيداً، لأن التعامل الأمني مع قاصرين في محيط المؤسسات التعليمية يرفع بشكل كبير منسوب الحساسية السياسية والحقوقية لأي تدخل ميداني.

غضب المدارس خرج إلى الشارع

بدأت الحركة في سبتمبر الماضي من محيط عدد من المؤسسات التعليمية، قبل أن تتوسع تدريجياً إلى مدن ومناطق مختلفة. وكان مطلبها الأساسي مرتبطاً بظروف التعليم العمومي، غير أن استمرار الاحتجاجات، ووقوع مواجهات مع الشرطة، ثم تسجيل إصابات خطيرة بين قاصرين، دفع الملف إلى تجاوز حدود المطالب التعليمية.

وبحسب المعطيات التي نشرتها وسائل إعلام فرنسية، أصيب منذ بداية الاحتجاجات 215 تلميذاً، إضافة إلى عشرات العاملين في المؤسسات التعليمية، فيما أصيب أكثر من 700 من أفراد الشرطة خلال المواجهات. كما تعرضت 24 مؤسسة تعليمية للحرق أو التخريب، بينما تجاوز عدد الموقوفين منذ بداية الحركة 6500 شخص، معظمهم من القاصرين، وفق أرقام أعلنتها السلطات الفرنسية.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أن جزءاً من الاحتجاجات انحرف نحو العنف والتخريب، وتتهم مجموعات متطرفة بمحاولة استغلال الحراك، تصر منظمات حقوقية ونقابات وشخصيات سياسية على أن الرد الأمني كان في عدد من الحالات مفرطاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتلاميذ ومراهقين.

وهنا تحديداً أصبحت المواجهة بين الشارع وقوات الأمن جزءاً من الأزمة نفسها، بعدما كان الاحتجاج في بدايته موجهاً أساساً ضد مشاكل المدرسة والتعليم.

بتر يد تلميذ في الخامسة عشرة يشعل الغضب

وجاءت واقعة مدينة لانس لتضاعف الضغط على السلطات الفرنسية.

فقد أصيب تلميذ يبلغ من العمر 15 عاماً إصابة بالغة خلال مواجهات أمام مؤسسة تعليمية، وانتهى الأمر ببتر يده، بعد انفجار قنبلة صوتية كانت قد استخدمت خلال تدخل قوات الأمن.

ولا تزال الملابسات الدقيقة للحادث محل تحقيق، إذ لم تحسم السلطات بشكل نهائي كيفية وصول القنبلة إلى مكان إصابة الشاب، وما إذا كان قد التقطها أو أصيب بها مباشرة. لكن النتيجة الطبية كانت بالغة الخطورة، وأصبحت الواقعة رمزاً جديداً في الجدل حول استخدام أسلحة حفظ النظام في مواجهة احتجاجات يشارك فيها قاصرون.

والأخطر بالنسبة للحكومة أن الحادث لم يعد مجرد واقعة أمنية منفصلة، بل تحول إلى عنصر تعبئة داخل الحركة الاحتجاجية، خصوصاً بعدما أصبحت صور الإصابات والتدخلات الأمنية جزءاً من الخطاب الذي يتداوله المحتجون.

وزير الداخلية يتراجع ويوقف استخدام القنابل الصوتية

تحت ضغط تصاعد الجدل، أعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز صباح الأربعاء 7 أكتوبر تعليق استخدام القنابل الصوتية خلال احتجاجات التلاميذ، إلى حين اتضاح ملابسات إصابة التلميذ في لانس.

وكانت المديرية العامة للشرطة قد أصدرت في اليوم السابق توجيهاً يقضي بالتعليق الاحترازي لاستخدام هذا النوع من القنابل في إطار حركة التلاميذ، وهو القرار الذي أكد الوزير لاحقاً أنه يأتي بانتظار نتائج التحقيق.

وتكتسي هذه الخطوة أهمية كبيرة، لأنها تعني أن الحكومة نفسها وجدت نفسها مضطرة إلى مراجعة جزء من أدوات التدخل التي كانت تستخدمها قوات الأمن خلال الاحتجاجات.

ووفق المعطيات التي نشرتها صحيفة «لو موند»، فإن القنبلة المعنية، المعروفة باسم «إي أف سون»، دخلت الخدمة لدى قوات الأمن الفرنسية منذ عام 2025، وهي مصممة لإحداث تأثير صوتي شديد بهدف تفريق التجمعات. كما أشارت الصحيفة إلى أن الشرطة الفرنسية فتحت 18 تحقيقاً داخلياً على خلفية اتهامات تتعلق بسلوك عناصر الأمن خلال الاحتجاجات الأخيرة.

العنف الأمني يتحول إلى قضية سياسية

لم يعد الجدل في فرنسا محصوراً في سؤال: لماذا يحتج التلاميذ؟

فالسؤال الجديد أصبح: كيف تتعامل الدولة مع احتجاجات يقودها قاصرون؟

منظمات حقوقية ونقابات اتهمت الشرطة باستخدام وسائل تدخل اعتبرتها غير متناسبة مع طبيعة بعض الاحتجاجات، فيما تؤكد الحكومة أن قوات الأمن تتدخل لحماية المؤسسات والأشخاص ومواجهة أعمال التخريب ورشق الشرطة بالمقذوفات.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن المواجهات لم تكن من طرف واحد، فقد شهدت عدة مدن إحراق حواجز وحاويات، ورشق قوات الأمن بالحجارة والمقذوفات، ومحاولات اقتحام أو تخريب بعض المؤسسات التعليمية. وفي المقابل، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع والهراوات ووسائل أخرى لتفريق المتظاهرين.

لكن اتساع دائرة الإصابات بين القاصرين جعل مسألة التناسب في استخدام القوة في صلب النقاش العام، خصوصاً بعد واقعة بتر يد التلميذ في لانس وإصابات أخرى خطيرة سجلت خلال الاحتجاجات.

حين ينزل الطلبة إلى الشارع تتغير طبيعة الأزمة

المشهد الأكثر دلالة في هذه الأزمة هو اتساع المشاركة خارج جدران المؤسسات التعليمية.

ففي البداية كان الاحتجاج يتمثل في إغلاق أو عرقلة عدد من الثانويات، لكن يوم 6 أكتوبر شهد انتقالاً واسعاً إلى الشارع، حيث شارك تلاميذ وطلبة إلى جانب أساتذة وآباء ونقابيين ومواطنين.

وفي عدد من المناطق، حاول بالغون تشكيل ما يشبه حواجز بشرية بين التلاميذ وقوات الأمن، في رسالة تعكس حجم القلق الذي بات يحيط بالتدخلات الأمنية بالقرب من المؤسسات التعليمية. كما انضم طلبة جامعيون إلى الاحتجاجات، فيما سجلت اضطرابات في نحو 40 في المائة من مؤسسات التعليم العالي العمومي خلال يوم التحرك الوطني، وفق المعطيات التي أوردتها «لو موند».

وهذا التطور مهم للغاية، لأن اتساع قاعدة المشاركين يجعل الأزمة أقل قابلية للحصر في ملف تعليمي محدد، ويمنحها أبعاداً اجتماعية ونقابية وحقوقية وسياسية متشابكة.

الحكومة تحاول فتح باب الحوار

في مواجهة التصعيد، حاولت الحكومة فتح قنوات جديدة مع التلاميذ، إذ أعلنت وزارة التربية الوطنية ابتداء من 7 أكتوبر تخصيص نصف يوم داخل الثانويات للحوار والديمقراطية المدرسية، حتى يتمكن التلاميذ من التعبير عن مطالبهم ومشاكلهم.

كما فتحت الوزارة استشارة وطنية أمام تلاميذ الثانويات إلى غاية 23 أكتوبر، لجمع مقترحاتهم بشأن ظروف الدراسة والمشاكل التي يواجهونها.

وتقول الحكومة إن هذه الإجراءات تأتي بالتوازي مع خمسة أوراش مرتبطة بمشاكل التعليم، من بينها ضمان استمرارية الدروس، وتحسين البنية التحتية، وتنظيم اليوم الدراسي، وجعل منظومة الولوج إلى التعليم العالي أكثر شفافية، وإعطاء مكانة أكبر لصوت التلاميذ في القرارات التي تهم حياتهم المدرسية.

غير أن الشارع لا يبدو مستعداً بالضرورة لانتظار الحلول الإدارية طويلة الأمد، خصوصاً أن الاحتجاجات اكتسبت زخماً جديداً بعد الإصابات الخطيرة المسجلة في صفوف القاصرين.

فرنسا أمام اختبار مزدوج

الأزمة الحالية تضع الحكومة الفرنسية أمام اختبار مزدوج: من جهة، عليها حماية المؤسسات والأشخاص والتعامل مع أعمال التخريب والعنف عندما تقع، ومن جهة أخرى، عليها ضمان حق التظاهر والتعامل بحذر شديد مع احتجاجات يشارك فيها عدد كبير من القاصرين.

وهذا التوازن أصبح أكثر صعوبة بعد قرار وقف استخدام القنابل الصوتية في حركة التلاميذ، لأن القرار يعكس بوضوح أن أدوات حفظ النظام نفسها أصبحت موضع مساءلة سياسية وحقوقية.

كما أن فتح 18 تحقيقاً داخلياً في سلوك الشرطة يجعل مسألة التدخل الأمني جزءاً من المسار الرسمي للتحقيق، وليس مجرد اتهام صادر عن الشارع أو المنظمات الحقوقية.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أعمال التخريب والعنف التي رافقت بعض التحركات، وهو ما تدفع به الحكومة لتبرير تدخل قوات الأمن، مؤكدة أن حماية المدارس والتلاميذ والعاملين فيها تظل مسؤولية الدولة.

من أزمة التعليم إلى أزمة ثقة

ما يجري في فرنسا لم يعد مجرد احتجاج على نقص المدرسين أو اكتظاظ الأقسام أو تدهور بعض المباني المدرسية. لقد تحولت هذه المطالب إلى مدخل لحركة اجتماعية أوسع، أصبح فيها حضور الشباب والقاصرين في الشارع عاملاً مركزياً.

والخطير بالنسبة للحكومة ليس فقط عدد المتظاهرين، وإنما قدرة الحركة على جذب فئات جديدة كلما وقعت مواجهة أو سجلت إصابة خطيرة.

فبعد أن كان الحديث يدور حول ميزانية التعليم وظروف الدراسة، أصبح النقاش اليوم يدور أيضاً حول علاقة الدولة بالشباب، وحدود استخدام القوة، ومسؤولية الشرطة، وحق القاصرين في الاحتجاج، ومدى قدرة الحكومة على إقناع الشارع بأن الحوار قادر على إنتاج نتائج ملموسة.

وبينما حاولت الحكومة فتح مسار للحوار داخل المؤسسات التعليمية، جاء قرار تعليق استخدام القنابل الصوتية ليؤكد أن الملف الأمني أصبح في قلب الأزمة، وأن واقعة التلميذ الذي فقد يده في لانس ستظل نقطة مفصلية في تقييم طريقة إدارة الاحتجاجات خلال الأيام المقبلة.

أما الشارع الفرنسي، فقد دخل مرحلة جديدة يصعب اختزالها في احتجاجات مدرسية عابرة، بعدما خرج الغضب من أبواب الثانويات إلى الساحات، وانضمت إليه قوى اجتماعية ونقابية ومدنية، في وقت تجد فيه الحكومة نفسها مطالبة بالجمع بين حفظ النظام واحتواء غضب جيل كامل يشعر بأن صوته لم يعد يجد طريقه إلى المؤسسات إلا عبر الشارع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى