مهرجان حب الملوك بصفرو.. تراث عالمي يختنق بين السهرات والاختلالات وأسئلة التنمية الضائعة

لم تكن الدورة 102 من مهرجان حب الملوك بمدينة صفرو مجرد تظاهرة ثقافية عابرة، بل تحولت إلى مناسبة أعادت إلى الواجهة أسئلة عميقة حول جدوى هذا الحدث التاريخي ومستقبله، بعدما طغت الانتقادات المرتبطة بالتنظيم والتدبير والعائد التنموي على الأجواء الاحتفالية التي حاول المنظمون تسويقها للرأي العام.
ففي الوقت الذي كانت فيه مدينة صفرو تستعد للاحتفاء بموروثها الثقافي والزراعي العريق، وجد عدد من المتابعين والفاعلين المحليين أنفسهم أمام مشهد مختلف، عنوانه الأبرز سهرات فنية ومنصات غنائية واستعراضات احتفالية، مقابل غياب نقاش حقيقي حول واقع شجرة الكرز التي من أجلها تأسس المهرجان قبل أكثر من قرن من الزمن.
شجرة الكرز الغائبة عن مهرجانها
المفارقة التي يطرحها كثير من أبناء الإقليم تتمثل في أن المهرجان الذي يحمل اسم “حب الملوك” أصبح، في نظر منتقديه، يحتفي بكل شيء باستثناء فاكهة الكرز نفسها.
فالمنطقة التي كانت لعقود طويلة تشكل إحدى أبرز معاقل إنتاج الكرز بالمغرب، عرفت خلال السنوات الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في المساحات المغروسة والإنتاج، بفعل توالي سنوات الجفاف والتغيرات المناخية وارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الدعم الموجه للفلاحين.
وأمام هذا الواقع، يتساءل فاعلون محليون عن أسباب غياب ملف إنقاذ شجرة الكرز من صلب النقاش العمومي للمهرجان، وعن دور الجهات الوصية على القطاع الفلاحي في إعادة الاعتبار لهذه السلسلة الفلاحية التي ارتبطت تاريخياً بصورة صفرو وهويتها الاقتصادية والثقافية.
احتقان التجار ومقاطعة المعرض
ومن أبرز الأحداث التي طبعت دورة هذه السنة، حالة الاحتقان التي سادت وسط عدد من التجار والمهنيين، بعدما أعلنت جمعيات مهنية مقاطعة المعرض التجاري المرافق للمهرجان، احتجاجاً على ما اعتبرته تهميشاً للفاعلين الاقتصاديين المحليين وضعف الحوار والتشاور بشأن تنظيم هذه الفضاءات.
واعتبرت أصوات محلية أن المهرجان الذي يفترض أن يشكل فرصة لإنعاش الحركة التجارية والاقتصادية بالمدينة، لم ينجح في تحقيق الأثر المنتظر لفائدة التجار والحرفيين وأصحاب الأنشطة الاقتصادية الصغيرة الذين كانوا يعولون على هذه المناسبة لتحقيق رواج استثنائي.
فوضى تنظيمية وانتقادات إعلامية
ولم تتوقف الانتقادات عند الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى الشق التنظيمي، حيث تداولت منابر إعلامية محلية وصفحات مهتمة بالشأن العام المحلي ملاحظات حادة بشأن ما اعتبرته ارتباكاً في التدبير وسوءاً في التواصل وتعاملاً غير لائق مع بعض الفاعلين الإعلاميين.
وتحدثت تقارير وتعليقات متداولة محلياً عن محاولات للحد من تغطية بعض الاختلالات التي رافقت التظاهرة، ما أثار استياء عدد من المهتمين بالشأن الإعلامي الذين اعتبروا أن نجاح أي تظاهرة عمومية يقتضي الانفتاح على النقد وليس الهروب منه.
كما سجل زوار ومشاركون وجود اختلالات مرتبطة بتدبير بعض الفضاءات المخصصة للمعارض والأنشطة الموازية، في مشهد وصفه منتقدون بأنه بعيد عن الصورة التي حاول المنظمون تسويقها خلال الحملة التواصلية السابقة للمهرجان.
ملكة حب الملوك.. تقليد فقد بريقه؟
ومن بين أكثر الفقرات التي أثارت النقاش خلال السنوات الأخيرة، استمرار تنظيم مسابقة “ملكة حب الملوك”، وهي الفقرة التي كانت في الماضي تشكل إحدى العلامات البارزة للمهرجان.
غير أن عدداً من المتتبعين باتوا يتساءلون اليوم عن القيمة المضافة الفعلية لهذا التقليد بعد مرور عشرات الدورات وتوالي عشرات المتوجات باللقب.
فما الذي حققته هذه المسابقة لصفرو؟ وما أثرها على التنمية السياحية والاقتصادية للمدينة؟ وكيف يمكن لمهرجان يواجه كل هذه التحديات أن يستمر في إعادة إنتاج الفقرات نفسها دون تقييم موضوعي لنتائجها؟
أسئلة يطرحها منتقدون يعتبرون أن هذه الفقرات تحولت إلى طقوس احتفالية متكررة أكثر من كونها أدوات للتسويق الترابي أو للتنمية المحلية.
ملايين تصرف.. والنتائج غائبة
ومع كل دورة جديدة، يعود الجدل حول حجم الموارد المالية التي يتم رصدها لتنظيم المهرجان، مقابل محدودية الأثر التنموي الملموس على المدينة والإقليم.
فبالنسبة لعدد من الفاعلين المحليين، فإن معيار نجاح أي مهرجان لا يقاس بعدد الحفلات الفنية أو العروض الفلكلورية أو الحضور الجماهيري فقط، بل بقدرته على خلق فرص شغل وتحريك الاقتصاد المحلي وجلب الاستثمار والترويج المستدام للمدينة.
ويؤكد هؤلاء أن صفرو ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بالبنية التحتية والتشغيل والاستثمار والخدمات العمومية، وهو ما يجعل السؤال حول مردودية هذه التظاهرات مطروحاً بإلحاح أكبر من أي وقت مضى.
التراث العالمي يحتاج إلى حكامة لا إلى منصات غنائية
ورغم القيمة التاريخية الكبيرة لمهرجان حب الملوك، باعتباره من أقدم المهرجانات المغربية والمصنف ضمن التراث الثقافي اللامادي للإنسانية، فإن عدداً من المتابعين يرون أن هذا المكسب الرمزي لم يعد كافياً لوحده.
فالمدينة تحتاج اليوم إلى رؤية جديدة تجعل من المهرجان رافعة للتنمية الحقيقية، ومن التراث الثقافي والزراعي محركاً للاستثمار والسياحة والاقتصاد المحلي، بدل الاكتفاء بتنظيم سهرات موسمية تنتهي بانتهاء آخر ليلة من البرنامج الفني.
وبين شجرة كرز تبحث عن الإنقاذ، وتجار يشعرون بالتهميش، وانتقادات تنظيمية متكررة، وأسئلة معلقة حول الحكامة والمردودية، تبدو دورة 2026 قد أعادت فتح ملف مهرجان حب الملوك من جديد، ليس باعتباره مناسبة للاحتفال فقط، بل باعتباره مشروعاً ثقافياً وتنموياً يحتاج إلى مراجعة عميقة تعيد له روحه الأصلية وتربطه من جديد بقضايا المدينة وساكنتها ومستقبلها.






