قضايا

مكناس تحت المجهر… العامل الصبار يقرع جرس الإنذار ويكشف اختلالات تضرب في صميم جمالية العاصمة الإسماعيلية

في خطوة وُصفت بأنها رسالة إنذار قبل فوات الأوان، وجّه عامل عمالة مكناس، عبد الغني الصبار، مراسلة شديدة اللهجة إلى رئيس جماعة مكناس، تحثه على التدخل الفوري لوضع حد لجملة من الخروقات والمظاهر السلبية التي باتت تشوه وجه المدينة، وتناقض صورتها التاريخية كواحدة من العواصم العريقة للمغرب.

المراسلة، التي لم تأتِ من فراغ، استندت إلى تقارير ميدانية رفعتها “خلية التتبع والرصد” التابعة لعمالة مكناس، والتي قامت بجولات ميدانية رصدت خلالها سلسلة من الممارسات التي تضرب في عمق النظام العام الحضري، وتكشف عن غياب حقيقي لهيبة القانون في عدد من القطاعات.

أحد أبرز الاختلالات التي ركز عليها العامل هو عودة ظاهرة احتلال الأرصفة من طرف بعض أصحاب المحلات التجارية ومشاريع البناء، دون أي سند قانوني. هذه الممارسات، التي يبدو أنها عادت بقوة في الآونة الأخيرة، أدت إلى تغيير معالم الأرصفة بشكل يعيق حركة المارة، خاصة الفئات الهشة كالأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، الذين يجدون أنفسهم مجبرين على النزول إلى قارعة الطريق بما تحمله من مخاطر.

ويبدو أن هذه الظاهرة، التي تتكرر في عدد من المدن المغربية، بمثابة عنوان عريض لفشل آليات المراقبة والزجر، إذ يواصل بعض المستغلين التوسع على الملك العام دون حسيب أو رقيب، في ظل ضعف التنسيق بين المصالح الجماعية والأمنية.

لم تتوقف الملاحظات عند الأرصفة المحتلة، بل شملت أيضاً ضعف العناية بالمدارات الطرقية والحدائق العمومية، وهي الفضاءات التي تمثل واجهة المدينة وتعكس مستوى عناية السلطات المحلية بالمجال الحضري. النقص في الصيانة، غياب التشجير المنتظم، وضعف الاهتمام بالمسطحات الخضراء، كلها مؤشرات على خلل في التدبير الجماعي، وتراجع واضح في مستوى الخدمات الأساسية التي ينتظرها المواطن المكناسي.

كما سجلت المراسلة تراجعاً ملحوظاً في مستوى النظافة بالمدينة، وهو ملف حساس يرتبط مباشرة بالصحة العامة وجودة الحياة. ضعف جمع النفايات، وانتشار الأزبال في بعض الأحياء، وغياب الصيانة الدورية للحاويات، كلها صور تسيء لسمعة مكناس وتناقض أهداف البرامج الوطنية للارتقاء بالمدن.

عامل مكناس لم يكتفِ بسرد الملاحظات، بل استند في دعوته للتدخل العاجل إلى ترسانة قانونية واضحة، منها القانون رقم 57.19 المتعلق بالأملاك العقارية للجماعات الترابية، والقانون التنظيمي رقم 14.113 المتعلق بالجماعات. هذه النصوص القانونية تمنح الجماعات الترابية صلاحيات واسعة لتنظيم وحماية الملك العام، ومع ذلك، فإن التطبيق على أرض الواقع يبقى دون المستوى المطلوب.

المراسلة شددت على أن هذه الاختلالات تتطلب معالجة عاجلة بالتنسيق مع مختلف المصالح المعنية، مع إلزام الجماعة بموافاة العمالة بالنتائج في أقرب الآجال، ما يعكس نفاد صبر السلطة الإقليمية إزاء هذا الوضع المتردي. ولم يكتف العامل بالتوصيات العامة، بل أرفق مراسلته بنماذج ملموسة للحالات التي تم رصدها ميدانياً، في خطوة عملية لدحض أي محاولة للتقليل من حجم الاختلالات.

تكشف هذه المراسلة عن الفجوة الكبيرة بين ما ينص عليه القانون وما يحدث على أرض الواقع. فبينما تؤكد النصوص على حماية الملك العام وصيانة الفضاءات المشتركة، تشهد الشوارع والأحياء انتهاكات يومية دون تدخل رادع. هذا التناقض لا يسيء فقط لجمالية المدينة، بل يطرح أسئلة عميقة حول فعالية الحكامة المحلية وقدرتها على فرض الانضباط الحضري.

مكناس، التي تحمل إرثاً حضارياً وتاريخياً غنياً، تجد نفسها اليوم أمام تحديات حقيقية تهدد صورتها لدى ساكنتها وزوارها. فالإهمال، وغياب الصيانة، وتنامي ظواهر الفوضى الحضرية، كلها عناصر تُضعف من جاذبية المدينة وتدفعها إلى التراجع أمام مدن أخرى نجحت في تحسين صورتها وجعلها أكثر ملاءمة للعيش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى