سياسة

محمد أوزين من سلا: دعوة إلى وزارة للعالم القروي وانتقادات حادة لتشتت السياسات العمومية في لقاء وطني حاشد لحزب الحركة الشعبية

في أجواء سياسية لافتة وحضور حزبي وازن، احتضنت مدينة سلا لقاءً وطنياً لحزب الحركة الشعبية خُصص لتقديم الخطوط العريضة لما سماه الحزب بـ”التعاقد الحركي”، المنظم تحت شعار “جا الوقت”، في محطة سياسية أراد منها الحزب إعادة صياغة أولوياته التنظيمية والسياسية، وتقديم تصورات جديدة حول عدد من القضايا الوطنية، وفي مقدمتها إشكالية العالم القروي والعدالة المجالية.

اللقاء عرف حضوراً مكثفاً لقيادات ومناضلي الحزب، إلى جانب متابعة سياسية وإعلامية، ما أعطى للحدث بعداً تنظيمياً وسياسياً بارزاً، خاصة في ظل السياق الوطني الذي يتسم بتزايد النقاش حول الفوارق المجالية، وفعالية السياسات العمومية، ونجاعة البرامج الموجهة للعالم القروي والمناطق الهشة.

في هذا الإطار، قدم الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، مداخلة سياسية قوية ركز فيها على ما وصفه بـ”تشتت الاختصاصات” بين عدد من القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية، وهو ما ينعكس، حسب قوله، على ضعف نجاعة التدخلات العمومية الموجهة للعالم القروي والمناطق الجبلية، ويؤدي إلى استمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية.

أوزين دعا بشكل واضح إلى إحداث وزارة خاصة بالعالم القروي، تكون مرتبطة بشكل مباشر برئيس الحكومة، وتتمتع بصلاحيات واسعة قادرة على توحيد الرؤية وتنسيق مختلف البرامج القطاعية، بما يضمن نجاعة أكبر في تنزيل السياسات العمومية. واعتبر أن معالجة إشكالات العالم القروي لا يمكن أن تتم عبر تدخلات متفرقة أو مبادرات مشتتة، بل عبر مؤسسة حكومية مركزية قادرة على قيادة التحول التنموي في القرى والمناطق النائية.

وأوضح أن العالم القروي لا يزال يعاني من اختلالات بنيوية مرتبطة بالبنيات التحتية، والخدمات الأساسية، وضعف الاستثمار، وصعوبة الولوج إلى فرص الشغل، وهو ما يستدعي، حسب تعبيره، إعادة ترتيب الأولويات الحكومية بشكل يضع هذا المجال في صلب السياسات العمومية وليس في هامشها.

وشدد الأمين العام للحركة الشعبية على أن غياب مخاطب حكومي موحد للعالم القروي يساهم في استمرار حالة التشتت المؤسساتي، حيث تتداخل اختصاصات عدة قطاعات دون وجود قيادة مركزية واضحة، ما يؤدي إلى بطء في الإنجاز وضعف في الأثر التنموي للبرامج العمومية.

كما أكد أن العدالة المجالية لم تعد مجرد شعار سياسي، بل أصبحت مطلباً أساسياً يفرض إعادة النظر في طريقة تدبير التنمية الترابية، مبرزاً أن تمكين العالم القروي من إمكانياته الطبيعية والبشرية يتطلب رؤية مندمجة، وسياسة عمومية منسقة، وإرادة سياسية واضحة.

ولم يقتصر خطاب أوزين على الجانب المؤسساتي فقط، بل امتد إلى تقييم الأداء السياسي داخل المؤسسة التشريعية، حيث قدم نفسه كفاعل برلماني ينخرط في ما وصفه بـ”سياسة الواقع”، من خلال مساءلة السياسات العمومية وطرح الإشكالات الاجتماعية المرتبطة بحياة المواطنين اليومية، خصوصاً ما يتعلق بغلاء الأسعار والقدرة الشرائية.

وفي هذا السياق، استحضر أوزين النقاش العمومي الذي أثارته بعض مداخلاته السابقة في البرلمان، خاصة تلك المرتبطة بارتفاع الأسعار والمواد الأساسية، حيث ارتبط اسمه في الخطاب السياسي بمواجهة ما يعتبره اختلالات في تدبير السوق وسلاسل التوزيع، وهو ما جعله في قلب نقاش عمومي واسع حول دور المعارضة في مراقبة العمل الحكومي.

كما أشار إلى استعمال مصطلح “الفراقشية” في سياق سياسي وانتقادي، في إشارة إلى شبكات أو لوبيات يُتهم بعض الفاعلين بأنها تؤثر على أسعار المواد الأساسية وتتحكم في مساراتها، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً داخل الرأي العام حول شفافية الأسواق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

اللقاء الوطني لحزب الحركة الشعبية بسلا لم يكن مجرد محطة تنظيمية، بل شكل منصة لإعادة تموقع الحزب داخل المشهد السياسي، من خلال التركيز على قضايا اجتماعية واقتصادية حساسة، وفي مقدمتها العالم القروي، الذي ظل محوراً أساسياً في خطاب الحزب عبر مراحل مختلفة من تاريخه السياسي.

كما عكس هذا اللقاء محاولة لتقديم تصور سياسي بديل يقوم على إعادة الاعتبار للسياسات العمومية الموجهة للمجالات الهشة، وعلى رأسها القرى والمناطق الجبلية، باعتبارها فضاءات تعاني من تراكمات تنموية تستدعي تدخلات أكثر جرأة ووضوحاً.

وفي المحصلة، فإن مداخلة محمد أوزين في هذا اللقاء الوطني تعكس توجهاً سياسياً يركز على نقد تشتت القرار العمومي، والدعوة إلى هيكلة جديدة للسياسات القطاعية المرتبطة بالعالم القروي، في أفق تحقيق قدر أكبر من العدالة المجالية وتقليص الفوارق الاجتماعية، ضمن سياق سياسي يعرف نقاشاً متزايداً حول فعالية النموذج التنموي وقدرته على الاستجابة لتطلعات المواطنين في مختلف مناطق المملكة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى