لقجع يكشف أوراق مالية 2027 من شاشة «دوزيم».. معاشات ترتفع ودعم يتدرج وضرائب على الكماليات، لكن امتحان القدرة الشرائية لم يُحسم بعد

لم يكن ظهور فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، مساء أمس الأربعاء 28 أكتوبر 2026، في برنامج «ساعة الصراحة» على القناة الثانية، مجرد إطلالة تلفزيونية لشرح مشروع قانون المالية لسنة 2027، بل شكل مناسبة لعرض عدد من الالتزامات الاجتماعية والضريبية التي تراهن الحكومة الجديدة على تقديمها باعتبارها مدخلاً لتصحيح اختلالات سابقة، وإعادة ترتيب العلاقة بين الإنفاق العمومي والحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية للمغاربة.
وفي أول خروج إعلامي بارز له منذ توليه المسؤولية الحكومية الجديدة، اختار لقجع أن يضع ملفات التقاعد ومعاشات الأرامل والدعم الاجتماعي المباشر والضريبة على الدخل في صلب النقاش، إلى جانب الحديث عن الضرائب المفروضة على بعض المنتجات الاستهلاكية والكماليات، والانفتاح على تعديلات المعارضة البرلمانية. وهي ملفات تتجاوز في دلالاتها الجانب التقني للميزانية، لأنها تمس بصورة مباشرة ملايين الأسر والمتقاعدين والأجراء، وتضع الوعود الاجتماعية أمام اختبار التمويل والتنفيذ والنتائج.
لكن أهمية ما كشفه الوزير لا تكمن فقط في حجم الأرقام المعلنة، بل أيضاً في الأسئلة التي تطرحها: هل ستكفي هذه التدابير لتحسين مستوى العيش؟ وهل تستطيع الزيادات المبرمجة في الدعم والمعاشات مواكبة تكاليف الحياة؟ وإلى أي حد ستنجح الحكومة في الانتقال من إعلان الالتزامات إلى تحقيق أثر اجتماعي ملموس؟
التقاعد والأرامل.. الدولة تدخل على خط التمويل
من أبرز ما أعلنه لقجع رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 1700 درهم شهرياً ابتداء من فاتح يناير 2027، مع التوجه نحو رفعه تدريجياً إلى 3000 درهم خلال الولاية الحكومية. ووفق المعطيات التي قدمها الوزير، يستهدف الإجراء نحو 500 ألف متقاعد ومتقاعدة، ضمن مسعى لتحسين أوضاع الفئات التي ظلت معاشاتها محدودة أمام ارتفاع تكاليف المعيشة.
كما أعلن رفع المعاش المخصص للأرامل من 50 في المائة إلى 100 في المائة من معاش الزوج المتوفى، ابتداء من يناير 2027، في إجراء يُرتقب أن تستفيد منه نحو 431 ألف أرملة، مع استمرار الشروط القانونية المنظمة للاستحقاق.
والنقطة الأساسية في هذا الإعلان هي تأكيد لقجع أن كلفة هذه الإجراءات ستتحملها ميزانية الدولة، وليس صناديق التقاعد، حتى لا تتحول الزيادة الاجتماعية إلى عبء إضافي على التوازنات المالية لهذه الصناديق.
وبحسب المعطيات التي عرضها الوزير، تبلغ الكلفة السنوية للإجراء المتعلق بتحسين الحد الأدنى للمعاشات نحو 3.3 مليارات درهم، فيما تقدر كلفة رفع معاشات الأرامل بنحو 7.3 مليارات درهم سنوياً، أي ما مجموعه نحو 10.6 مليارات درهم وفق جمع التقديرين المعلنين.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية اجتماعية، لكنها تفتح في المقابل نقاشاً حول استدامة التمويل العمومي، ومدى قدرة الميزانية على تحمل التزامات إضافية على المدى المتوسط والطويل، خصوصاً في ظل تعدد الأوراش الاجتماعية والاستثمارية التي تحتاج إلى اعتمادات مالية مهمة.
كما أن بلوغ الحد الأدنى للمعاش 1700 درهم يمثل تحسناً بالنسبة إلى المستفيدين الذين تقل معاشاتهم عن هذا المستوى، لكنه لا يعني تلقائياً أن المبلغ سيكفي لتغطية الحاجيات الأساسية، ولا سيما بالنسبة إلى المتقاعدين الذين يتحملون مصاريف السكن والغذاء والعلاج. ومن هنا، فإن التقييم الحقيقي لهذا الإجراء سيظل مرتبطاً بتطور الأسعار والقوة الشرائية الفعلية، وليس بالقيمة الاسمية للزيادة وحدها.
الدعم الاجتماعي.. من 500 إلى 1000 درهم في أفق 2031
وفي ملف الدعم الاجتماعي المباشر، كشف لقجع عن مسار تدريجي لرفع الحد الأدنى للدعم من 500 درهم حالياً إلى 600 درهم ابتداء من يناير 2027، ثم إلى 700 درهم سنة 2028، على أن تستمر الزيادات تدريجياً وصولاً إلى 1000 درهم خلال السنة الأخيرة من الولاية الحكومية.
ويأتي هذا الإعلان في سياق سعي الحكومة الجديدة إلى تثبيت الدعم المباشر باعتباره أحد مكونات الحماية الاجتماعية، مع إعادة النظر في طريقة تحديد الأسر المستحقة. وأوضح الوزير أن التوجه المقبل يقوم على الاعتماد بصورة أكبر على الدخل الفعلي للأسرة، بدل الاستمرار في الاعتماد على المؤشر الاجتماعي والاقتصادي وحده.
وتكمن أهمية هذا التغيير في محاولة معالجة بعض الحالات التي قد لا يعكس فيها المؤشر المعتمد الوضع المالي الحقيقي للأسرة، بما قد يؤدي إلى إقصاء أسر محتاجة أو إدراج أسر لا تعكس أوضاعها الفعلية مستوى الاستحقاق نفسه.
غير أن نجاح هذا التحول يتوقف على دقة قواعد البيانات، وشفافية معايير الاستفادة، وقدرة الإدارة على تحيين المعطيات ومراجعة الملفات، مع توفير آليات واضحة للتظلم وتصحيح الأخطاء. فكل خلل في الاستهداف قد يحرم أسرة مستحقة من الدعم، أو يؤدي إلى توجيه الموارد إلى غير الفئات التي صُممت من أجلها.
كما أن الانتقال من 500 إلى 600 درهم يمثل زيادة اسمية قدرها 100 درهم شهرياً، لكن أثرها الفعلي يتوقف على تطور أسعار الغذاء والسكن والنقل وباقي الحاجيات الأساسية. لذلك، فإن الرهان لا يتعلق فقط برفع المبلغ تدريجياً، بل بضمان ألا تفقد الزيادة قيمتها بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة.
والأهم أن الدعم الاجتماعي، رغم ضرورته، لا يمكن أن يشكل بديلاً عن سياسة اقتصادية قادرة على خلق فرص الشغل ورفع الأجور وتحسين الخدمات العمومية. فالدولة الاجتماعية لا تُبنى بالتحويلات المالية وحدها، بل أيضاً بتوفير تعليم جيد وعلاج متاح وفرص عمل مستقرة تتيح للأسر الاعتماد على دخل مستدام.
الضريبة على الدخل.. إعفاءات للأجراء وأسئلة حول الأثر الفعلي
ومن بين التدابير التي أثارت الاهتمام خلال الحوار، ما يتعلق بالإصلاح المرتقب للضريبة على الدخل. فقد تحدث لقجع عن إعفاء الأجراء الذين لا تتجاوز أجورهم الشهرية الصافية 10000 درهم من الضريبة بصورة كاملة، وعن استفادة فئات أخرى من مراجعة النظام الضريبي، مع إمكانية بلوغ الأثر المالي نحو 500 درهم شهرياً بالنسبة إلى بعض الأجراء الذين تتراوح أجورهم بين 11000 و12000 درهم أو تتجاوزها، بحسب الشروط والتفاصيل المرتبطة بالإصلاح.
ويستهدف هذا التوجه تحسين الدخل المتاح للأجراء، ولا سيما الفئات التي تتحمل التزامات أسرية متزايدة، لكنه يقتضي توضيحاً دقيقاً لشرائح الأجور المعنية، وكيفية احتساب الإعفاءات، والفئات التي ستستفيد فعلياً من التخفيضات.
كما أن الأثر النهائي للإصلاح لن يكون واحداً بالنسبة إلى جميع الأجراء، لأن الاستفادة تختلف باختلاف مستوى الدخل والوضعية الضريبية. ولهذا، فإن نشر الجداول التفصيلية للمراجعة الضريبية سيتيح للمواطنين معرفة ما إذا كانوا معنيين بالإعفاء أو التخفيض، وما القيمة التي ستضاف فعلياً إلى دخلهم الشهري.
وفي المقابل، فإن تخفيف الضريبة على الأجور لا يكفي وحده لتحسين القدرة الشرائية إذا استمرت الأسعار في الارتفاع بوتيرة تلتهم المكاسب المحققة. ومن هنا، ينبغي النظر إلى الإصلاح الضريبي ضمن منظومة متكاملة تشمل الأجور والأسعار والخدمات الاجتماعية وفرص التشغيل.
ضرائب على الكماليات والسجائر والكحول.. من يؤدي كلفة التوازنات المالية؟
على المستوى الضريبي، تحدث لقجع عن زيادات تستهدف بعض المنتجات والكماليات، من بينها السيارات الفاخرة والمشروبات الكحولية الفاخرة، إلى جانب إجراءات ضريبية مرتبطة بالسجائر. كما أشار إلى إمكانية مراجعة رسوم تسجيل السيارات الفاخرة مستقبلاً إذا استمر نمو عددها بوتيرة مرتفعة.
وبرر الوزير بعض هذه التدابير باعتبارات اجتماعية وصحية، خصوصاً فيما يتعلق بالحد من انتشار استهلاك السجائر بين المراهقين، إلى جانب توجيه العبء الضريبي نحو منتجات لا تندرج ضمن الحاجيات الأساسية للأسر.
وتثير هذه المقاربة سؤال العدالة الضريبية: إلى أي حد يمكن توجيه جزء أكبر من العبء نحو الاستهلاك الفاخر، مع تخفيف الضغط عن الأجراء والفئات محدودة الدخل؟ إنها معادلة مهمة، لكن الحكم على نتائجها يقتضي معرفة حجم الإيرادات المنتظرة، ومدى انعكاس التغييرات على الأسعار وسلوك المستهلكين.
كما أن الوزير نفى وجود توجه لرفع رسوم التسجيل والتحفيظ العقاري، مؤكداً أن المقصود ليس زيادة هذه الرسوم على المواطنين، بل تشجيع أصحاب الأملاك القديمة غير المحفظة على تسوية وضعيتها القانونية. ويظل هذا التوضيح مهماً في ظل حساسية أي تغيير ضريبي مرتبط بالعقار والمعاملات اليومية للمواطنين.
وفي سياق متصل، تطرقت التصريحات إلى زيادة العبء الضريبي على شركات بترولية تحقق أرباحاً مرتفعة. وهو توجه يستدعي متابعة تفاصيله القانونية والمالية، خصوصاً في قطاع يرتبط مباشرة بكلفة النقل والإنتاج وأسعار عدد من السلع والخدمات.
لكن العدالة الضريبية لا تُقاس بمجرد الإعلان عن زيادات على منتجات معينة، بل بمدى وضوح قواعدها، وتناسبها مع القدرة على الأداء، وفعاليتها في تعبئة الموارد دون خلق اختلالات غير مقصودة في السوق.
المعارضة وقانون المالية.. انفتاح معلن واختبار داخل البرلمان
سياسياً، حمل الحوار رسالة واضحة بشأن موقف لقجع من المعارضة البرلمانية. فقد أعلن استعداده لاستقبال المقترحات التي من شأنها تجويد مشروع قانون المالية لسنة 2027، مؤكداً أنه لا يجد حرجاً في التنويه بالفرق التي تقدم تعديلات مفيدة، حتى إن كانت من صفوف المعارضة.
كما دعا الأحزاب التي سبق أن طالبت بإجراءات اجتماعية مماثلة إلى التعبير عن موقفها منها خلال التصويت البرلماني، بدل الاكتفاء بالتأكيد أنها صاحبة المبادرة بشأنها.
وتكتسب هذه التصريحات أهميتها في ظل انطلاق المناقشة العامة لمشروع قانون المالية داخل لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب يوم الأربعاء 28 أكتوبر، حيث تباينت مواقف الفرق البرلمانية بين الإشادة بالإجراءات الاجتماعية والتشكيك في كفايتها، وطرح أسئلة بشأن مصادر التمويل وفعالية التدابير المقترحة.
غير أن الانفتاح المعلن على المعارضة لا يُقاس بالتصريحات وحدها، بل بمدى استعداد الحكومة للتفاعل مع التعديلات الجادة، وشرح أسباب قبولها أو رفضها، وإتاحة نقاش فعلي حول الأولويات المالية والاجتماعية. فالبرلمان ليس مجرد محطة للمصادقة على مشروع حكومي، بل مؤسسة دستورية يفترض أن تسهم في تحسين النص ومراقبة أثره.
كما أن الاختلاف حول قانون المالية لا ينبغي اختزاله في مواجهة بين الأغلبية والمعارضة، لأن القضايا المطروحة تمس المواطنين بصورة مباشرة، من معاشات التقاعد إلى الأجور والأسعار والدعم الاجتماعي. ولذلك، فإن جودة النقاش تُقاس بقدرته على تقديم بدائل قابلة للتنفيذ، لا بمجرد تبادل الاتهامات السياسية.
ميزانية 2027.. الأرقام المعلنة لا تكفي وحدها
يأتي هذا الحوار في وقت دخل فيه مشروع قانون المالية لسنة 2027 مرحلة المناقشة البرلمانية، بعدما قدم لقجع الخطوط الكبرى للمشروع أمام مجلسي البرلمان يوم 23 أكتوبر. ويضع المشروع ضمن أهدافه الحفاظ على التوازنات المالية، وتحسين الإنصاف الاجتماعي، ودعم الاستثمار والتشغيل.
وتشير الفرضيات المعلنة إلى نمو اقتصادي متوقع بنسبة 3.7 في المائة خلال 2027، مقابل 4.7 في المائة متوقعة لسنة 2026، مع استهداف عجز في الميزانية عند 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وخفض مديونية الخزينة إلى 66.9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي.
وتكشف هذه الأرقام عن محاولة للجمع بين تمويل الالتزامات الاجتماعية والحفاظ على التوازنات المالية، غير أن نجاح المعادلة سيعتمد على مدى تحقق الفرضيات الاقتصادية، وتطور الإيرادات، وفعالية الإنفاق العمومي، وقدرة الاستثمارات على خلق القيمة المضافة وفرص الشغل.
ومن هنا، لا ينبغي التعامل مع مشروع المالية باعتباره مجرد قائمة من الزيادات والإعفاءات والاعتمادات، بل بوصفه اختباراً لمدى قدرة الحكومة على تحويل الموارد العمومية إلى نتائج ملموسة. فالزيادة في المعاشات تظل محدودة الأثر إذا لم تواكبها خدمات صحية مناسبة، والدعم الاجتماعي يفقد جزءاً من فعاليته إذا لم يترافق مع فرص الشغل، والتخفيض الضريبي لا يحقق غايته كاملة إذا التهم الغلاء أثره.
الحكومة أمام امتحان النتائج
أظهر حوار فوزي لقجع أن الحكومة الجديدة تراهن على مجموعة من التدابير الاجتماعية والضريبية لتقديم صورة عن توجهها الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة. فرفع الحد الأدنى للمعاشات، وتحسين معاشات الأرامل، وزيادة الدعم الاجتماعي، ومراجعة الضريبة على الدخل، كلها إجراءات تحمل آثاراً محتملة على فئات واسعة من المجتمع.
لكن هذه الالتزامات تظل في حاجة إلى تنزيل دقيق، وجداول زمنية واضحة، ومراقبة برلمانية مستمرة، وبيانات تسمح بتقييم نتائجها الفعلية. كما أن حماية القدرة الشرائية لا تتحقق عبر الزيادات المالية وحدها، بل تحتاج إلى مواجهة أسباب الغلاء، وتحسين المنافسة، وضمان انتظام الأسواق، وتطوير الخدمات العمومية، وخلق فرص شغل مستقرة.
إن التحدي أمام الحكومة ليس فقط إثبات أنها رصدت اعتمادات مالية إضافية، بل إقناع المواطن بأن هذه الموارد ستنعكس فعلياً على معيشه اليومي. وبين ما أعلنه الوزير وما ينتظره الشارع، ستظل سنة 2027 محطة أساسية للحكم على مدى قدرة السياسة المالية الجديدة على الجمع بين الانضباط المالي والإنصاف الاجتماعي، وبين الوعود المعلنة والنتائج التي يلمسها المواطن في حياته اليومية.






