سياسة

إدارة بلا أبواب مفتوحة: تقرير مؤسسة الوسيط يفضح إخفاق الولوجيات ويدق ناقوس فقدان الثقة

في وقت ترفع فيه الدولة شعارات الإدماج والمساواة، تكشف المعطيات الميدانية عن واقع مقلق يعيشه الأشخاص في وضعية إعاقة داخل الإدارات العمومية، حيث يتحول الحق في الولوج إلى الخدمات إلى معاناة يومية، تختزل فشل جزء من المنظومة الإدارية في تحقيق أبسط شروط المواطنة. هذا ما أكده وسيط المملكة حسن طارق، محذراً من أن استمرار هذا الوضع لا يمس فقط كرامة الأفراد، بل يهدد أيضاً مصداقية المرفق العمومي في عمقها.

معاناة صامتة… وإدارة غائبة

تصريحات وسيط المملكة جاءت لتضع الأصبع على جرح مزمن، يتمثل في ضعف ولوج الأشخاص في وضعية إعاقة إلى الخدمات الإدارية، سواء بسبب غياب التهيئة المادية، أو تعقيد المساطر، أو حتى بسبب نظرة نمطية لا تزال حاضرة داخل بعض المرافق. فبدل أن تكون الإدارة فضاءً للخدمة العمومية، تتحول في كثير من الحالات إلى حاجز إضافي يعمّق الإقصاء ويكرّس التهميش.

وفي توصيف قوي، اعتبر وسيط المملكة أن ما يحدث يتجاوز الألم الفردي، ليصل إلى “نزيف ثقة” حقيقي، حيث يفقد المواطن ثقته في مؤسسة يُفترض أن تضمن حقوقه، لا أن تعيقها. وهو ما يعكس، في جوهره، فشلاً مزدوجاً: فشل في تمكين المرتفق من حقه، وفشل في بناء إدارة مواطِنة قادرة على الانفتاح والتفاعل.

أرقام تكشف حجم الاختلال

الدراسة التي أنجزتها مؤسسة الوسيط بشراكة مع كتابة الدولة المكلفة بالإدماج الاجتماعي، قدمت صورة رقمية دقيقة لهذا الواقع، حيث أظهرت أن فقط 26% من الإدارات تتوفر على وثائق أو إجراءات واضحة تؤطر مسألة الولوجيات، ما يعني أن الغالبية تشتغل خارج أي إطار مؤسساتي منظم في هذا المجال.

كما كشفت الدراسة أن 47.5% من الإدارات تقدم خدمات رقمية، لكن دون ضمان احترام معايير الولوج، حيث يواجه عدد من الأشخاص في وضعية إعاقة صعوبات حقيقية في استعمال هذه الخدمات، وهو ما يفرغ الرقمنة من بعدها الشمولي، ويحولها إلى أداة إقصاء جديدة بدل أن تكون وسيلة إدماج.

أما على مستوى الإدماج المهني، فرغم أن 47.6% من الإدارات تضم موظفين في وضعية إعاقة، فإن غياب تأطير تنظيمي واضح يحدّ من فعالية هذه الخطوة، ويجعلها أقرب إلى مبادرات معزولة منها إلى سياسة عمومية متكاملة.

شعارات بلا ترجمة ميدانية

الواقع الذي تعكسه هذه الأرقام يكشف عن فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية. فبينما يتم الترويج لسياسات الإنصاف والإدماج، لا تزال الحواجز المادية والإدارية والرمزية قائمة، تعرقل الولوج الفعلي إلى الحقوق والخدمات.

وفي هذا السياق، تؤكد المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أن الوضعية الحقوقية للأشخاص في وضعية إعاقة لا تزال تعاني من ضعف واضح في التنفيذ، خاصة في قطاعات حيوية كالتعليم، والتشغيل، والعدالة، والمشاركة السياسية، ما يحرم هذه الفئة من فرص حقيقية للاندماج، ويبدد طاقاتها داخل المجتمع.

أزمة ثقة… تتجاوز الفئة المعنية

الإشكال لا يقتصر على فئة معينة، بل يعكس خللاً بنيوياً في مفهوم الخدمة العمومية. فحين تعجز الإدارة عن استيعاب فئة من المواطنين، فإنها تفشل في اختبار “عموميتها”، أي قدرتها على خدمة الجميع دون تمييز.

هذا الفشل، كما أشار إليه وسيط المملكة، لا يمر دون كلفة، إذ يؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات، ويغذي الشعور بعدم الإنصاف، وهو ما قد تكون له تداعيات أعمق على علاقة المواطن بالدولة.

نحو إدارة دامجة… أم استمرار الوضع القائم؟

أمام هذا التشخيص، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة النظر في طريقة تدبير ملف الولوجيات، من خلال الانتقال من منطق المبادرات الظرفية إلى سياسة عمومية واضحة ومُلزمة، تشمل:

  • تعميم التهيئة المادية للإدارات وفق معايير الولوج الشامل
  • إدماج معايير الولوج في كل مشاريع الرقمنة
  • تأطير قانوني صارم يضمن احترام حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة
  • تكوين الموارد البشرية على التعامل مع هذه الفئة بوعي واحترام
  • اعتماد آليات للتتبع والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة

ما يكشفه تقرير مؤسسة الوسيط ليس مجرد اختلالات تقنية، بل أزمة حقيقية في فلسفة المرفق العمومي. فإما أن تتحول الإدارة إلى فضاء دامج يكرّس المساواة والكرامة، أو تستمر في إنتاج نفس أشكال الإقصاء التي تتنافى مع مبادئ دولة الحق والقانون.

وبين الخطاب والممارسة، يبقى الرهان الأكبر هو استعادة ثقة المواطن، عبر إجراءات ملموسة تُثبت أن الكرامة ليست شعاراً، بل حقاً فعلياً داخل كل إدارة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى