قانون جنائي جديد يعيد خلط الأوراق… ومسار متابعة منتخبين يتعرض لفرملة جديدة

مع شروع القانون الجنائي الجديد في التطبيق، تدخل الشكايات ذات الطابع «الكيدي» ضد رؤساء الجماعات ومشتبهي التلاعب في المال العام مرحلة تجميد شبه كاملة، بعدما أصبح باب المتابعة القضائية محصورًا في التقارير والإحالات الصادرة فقط عن مؤسسات دستورية معترف بها، فيما سيتم إسقاط الشكايات التي تتقدم بها جمعيات غير مرخص لها أو تلك التي تنشط في ملفات المال العام دون صفة قانونية تخولها ذلك.
وقبل دخول هذه المقتضيات حيّز التنفيذ، ظل عدد من المنتخبين الذين تقدموا بشكايات ضد رؤساء جماعات يُشتبه في تورطهم في اختلالات مالية وإدارية، يشتكون من بطء غير مفهوم في إنجاز الأبحاث التمهيدية، ومن ملفات بقيت حبيسة الرفوف، لا تتقدم ولا تُغلق، رغم مرور أشهر وسنوات على فتحها.
وخلال الأشهر الأخيرة، باشر قضاة التحقيق في محاكم جرائم الأموال فتح ملفات جديدة تخص 15 رئيس جماعة، بينهم منتخبون من أقاليم سيدي قاسم وتطوان وقلعة السراغنة والخميسات والقنيطرة وسلا. هذه الملفات، وفق مصادر قضائية، لا ترتبط بتقارير المجلس الأعلى للحسابات، بل تتعلق بتفويتات مشبوهة لعقارات خارج النفوذ الترابي للجماعات، وإبرام صفقات بطرق غير قانونية، ورفع غير مبرر في فواتير المحروقات، إضافة إلى شبهات تلاعب في مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
مستشارون من المعارضة، إلى جانب جمعيات ناشطة في مراقبة المال العام، يؤكدون أنّ أبحاثًا أنجزتها المفتشية العامة للإدارة الترابية أسفرت عن معطيات خطيرة، لكن رغم ذلك بقيت العديد من الملفات جامدة دون أي مسار واضح أو قرارات حاسمة، ما خلق شعورًا عامًا بأن مسار مكافحة الفساد يسير ببطء غير مقبول.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الانتقادات بشأن ضعف الأحكام الصادرة في قضايا الفساد والرشوة، يرى متابعون أن العقوبات الحالية لا تعكس حجم الجرائم المرتكبة ولا تتناسب مع خطورتها، بينما تستغرق الإجراءات القضائية زمناً يتجاوز الحدود المعقولة.
وتطالب أصوات حقوقية ومؤسسات معنية بحماية المال العام بإخضاع الصفقات العمومية المنجزة خلال ولايات الرؤساء السابقين والحاليين لافتحاص شامل، مع ترتيب الجزاءات المناسبة، وفتح تحقيقات دقيقة حول تدبير المال العام خلال السنوات الثلاث الأخيرة من عمر المجالس الجماعية.
وتذهب المصادر ذاتها إلى أبعد من ذلك، معتبرة أنّ غياب إرادة سياسية حقيقية لمحاربة الفساد واستمرار الإفلات من العقاب، يسمح للوبيات ومجموعات مصالح متجذرة بإفراغ الإصلاح من محتواه، بما في ذلك تعطيل مسار تجريم الإثراء غير المشروع، وتعطيل الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد.
ورغم تقارير رسمية تؤكد أن الفساد مازال متغلغلاً ويقوض جهود التنمية، تستمر الأصوات الحقوقية في التحذير من خطورة ما سمته «ازدواجية العدالة» في التعامل مع قضايا نهب المال العام، وتؤكد أن هذا الوضع يسهم في توسيع الهوة الاجتماعية وارتفاع معدلات الفقر والهشاشة وتعميق الشعور بالظلم.
وفي خضم هذا المشهد، تشدد هذه الهيئات على أن القضاء مطالب اليوم بتحمل كامل مسؤوليته في التصدي لمظاهر العبث بالمال العام، واتخاذ قرارات جريئة توقف نزيف الفساد وتضع حدًا للإفلات من العقاب، في سياق تتزايد فيه الدعوات إلى إصلاح حقيقي يعيد الثقة في المؤسسات العمومية.






