قضايا

طرق المغرب تتهاوى تحت المطر… ووزارة التجهيز في موقع المتفرج

كشفت التساقطات المطرية والثلجية الأخيرة التي شهدتها عدة مناطق من المغرب واقعاً مقلقاً يتعلق بوضعية شبكة الطرق، خصوصاً في العالم القروي، حيث تحولت العديد من المقاطع إلى طرق مهترئة ومتهالكة، فيما انهارت أجزاء أخرى بالكامل، تاركة الساكنة في عزلة حقيقية وسط غياب تدخلات سريعة تعيد الأمور إلى نصابها.

فمع أولى الأمطار القوية، ظهرت إلى السطح هشاشة البنية الطرقية في عدد من الأقاليم، حيث برزت تشققات عميقة في وسط الطرق وجوانبها، وانجرفت أجزاء من المقاطع الطرقية، فيما تحولت مسالك قروية إلى أوحال ومستنقعات تعيق حركة السير بشكل كامل. هذا الوضع لا يطرح فقط سؤال البنية التحتية، بل يضع أيضاً وزارة التجهيز والماء أمام مسؤوليات ثقيلة يصعب تجاهلها.

في القرى والمناطق الجبلية، تبدو الصورة أكثر قتامة. فهناك طرق ما تزال مقطوعة إلى حدود اليوم، ومسالك أصبحت غير صالحة للاستعمال، ما جعل تنقل المواطنين نحو المدارس أو المستشفيات أو الأسواق الأسبوعية مغامرة حقيقية.

هذه المعاناة اليومية تكشف بوضوح أن ساكنة العالم القروي غالباً ما تجد نفسها خارج حسابات التخطيط الحقيقي للبنية التحتية، إذ تتحول الطرق إلى معاناة موسمية تتكرر كلما تساقطت الأمطار أو ارتفعت منسوبات الأودية.

ولعل أخطر ما في الأمر أن بعض هذه الطرق ليست مجرد مسالك بسيطة، بل طرق مصنفة وأخرى حديثة الإنجاز، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول جودة الأشغال، وحول دفاتر التحملات، وحول المراقبة التقنية التي يفترض أن تضمن صمود هذه المشاريع أمام الظروف الطبيعية.

الوضع الحالي للعديد من الطرق أصبح يشكل تهديداً مباشراً لسلامة مستعملي الطريق. فالحفر العميقة والتشققات والانهيارات الجزئية تحولت إلى فخاخ حقيقية للسائقين، خصوصاً في الليل أو في المناطق التي تغيب فيها الإنارة والتشوير الطرقي.

كما أن عدداً من السائقين باتوا يشتكون من الأعطاب المتكررة التي تلحق بعرباتهم بسبب سوء حالة الطرق، وهو ما يعني أن المواطن يؤدي الثمن مرتين: مرة من خلال الضرائب التي تمول هذه المشاريع، ومرة أخرى من خلال تكاليف إصلاح سياراته.

في خضم هذه الأزمة، يتساءل كثير من المتتبعين: أين وزارة التجهيز والماء؟ وأين خطط الصيانة الدورية لشبكة الطرق؟ وأين التتبع الميداني للأوراش التي كلفت ملايين الدراهم من المال العام؟

فالواقع يكشف أن عدداً من الطرق انهار أو تضرر بشكل كبير مع أول اختبار طبيعي، ما يعكس خللاً واضحاً في التخطيط أو في جودة الإنجاز أو في آليات المراقبة. والأسوأ من ذلك أن تدخلات الإصلاح غالباً ما تأتي متأخرة، بعد أن تكون الأضرار قد تفاقمت، وتكون الساكنة قد عاشت أسابيع أو أشهر من المعاناة.

إن صمت الوزارة المعنية في مثل هذه الظروف يثير الكثير من علامات الاستفهام، خصوصاً وأن الطرق ليست مجرد بنية تحتية عادية، بل شريان أساسي للحياة الاقتصادية والاجتماعية في مختلف مناطق البلاد.

ما يحدث اليوم على مستوى الطرق يكشف أن الأمر لم يعد مجرد أضرار ناتجة عن التساقطات المطرية، بل يتعلق بإشكال أعمق مرتبط بتدبير البنية التحتية الطرقية في المغرب.

فإذا كانت الأمطار ظاهرة طبيعية، فإن انهيار الطرق بعد كل موسم مطري لا يمكن اعتباره أمراً طبيعياً. بل هو مؤشر على اختلالات حقيقية في التخطيط والتنفيذ والمراقبة.

ولهذا يطالب العديد من المتتبعين بضرورة إجراء تقييم شامل لوضعية شبكة الطرق، وتحديد المسؤوليات بدقة، مع إطلاق برنامج استعجالي لإصلاح المقاطع المتضررة، خصوصاً في العالم القروي الذي يعاني أصلاً من ضعف البنيات التحتية.

إن الطريق ليست مجرد إسفلت يربط بين نقطتين، بل هي عنوان للتنمية وشرط أساسي لفك العزلة عن القرى والمناطق الجبلية. فبدون طرق آمنة ومهيأة، يصعب الحديث عن تنمية محلية أو عن جذب الاستثمارات أو حتى عن توفير الخدمات الأساسية للمواطنين.

واليوم، وبينما تتكرر مشاهد الطرق المتضررة مع كل تساقطات مطرية، يبقى السؤال المطروح: إلى متى ستظل ساكنة العالم القروي تدفع ثمن الإهمال؟ وإلى متى ستبقى وزارة التجهيز تكتفي بردود الفعل المتأخرة بدل اعتماد رؤية استباقية تحمي البنية التحتية وتضمن سلامة المواطنين؟

فالطرق التي تنهار تحت المطر ليست مجرد مشكلة تقنية… بل مرآة حقيقية لمدى جدية السياسات العمومية في خدمة المواطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى