صحة

سوق الدواء رهينة العبث… حين تتحول الصحة إلى غنيمة والمواطن إلى ضحية

ما يجري اليوم في قطاع الدواء لم يعد مجرد اختلالات إدارية عابرة، بل انفجار صامت لمنظومة يفترض أنها تحمي صحة المغاربة. منذ تحويل مديرية الأدوية والصيدلة إلى وكالة، دخل هذا المرفق الحيوي نفقًا مظلمًا من الارتجال وسوء التدبير، تحت أنظار وزير الصحة والحماية الاجتماعية، ووسط صمت حكومي مريب، وكأن صحة المواطنين تفصيل ثانوي في حسابات المصالح والنفوذ.

النتيجة كانت كارثية: شلل شبه كامل في عمل الوكالة، تفكك في الحكامة، وضرب مباشر للكفاءات. تم الاستغناء عن مئات الأطر المؤهلة، ليس بسبب فائض أو تقييم موضوعي، بل في إطار قرارات عشوائية أفرغت المؤسسة من خبرتها المتراكمة، وأدت إلى توقف مساطر أساسية، من بينها تسجيل الأدوية والتصريحات المرتبطة بالتصنيع والاستيراد. والضحية الأولى والأخيرة؟ المريض المغربي، الذي يجد نفسه أمام ندرة، وارتفاع أسعار، وغموض في الجودة.

الأخطر أن هذا الانهيار لم يكن مفاجئًا. فمع تعيين إدارة جديدة، سُجّل تراجع مقلق في أداء الوكالة، وفشل ذريع في بلوغ مستويات الاعتراف الدولية في التنظيم والرقابة، ما وجّه ضربة قاسية لمصداقية المغرب في قطاع استراتيجي، وجعل سمعته الصحية على المحك. كيف لبلد يراهن على السيادة الدوائية أن يقبل بهذا السقوط الحر؟

ورغم دق ناقوس الخطر، ورغم التنبيهات المتكررة، لم يظهر أي تحرك حقيقي يعكس حجم المسؤولية. بل العكس، تم تكريس منطق الولاءات والقرابة، وتوزيع المسؤوليات خارج كل معايير الكفاءة والاستحقاق، في خرق سافر لمبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. توظيفات غامضة، ترقيات سريعة بلا سند، وتعويضات سخية تُمنح لقلة محظوظة، بينما يتم تهميش الكفاءات الحقيقية ودفعها إلى الهامش.

وهنا بيت القصيد: الدواء لم يعد مجرد خدمة عمومية، بل تحوّل إلى سوق تُحاك حوله شبكات مصالح. أطراف داخل الحكومة، أو في محيطها، تحاول بوضوح بسط النفوذ على هذا القطاع الحساس، عبر أقارب وواجهات وشركات، في تضارب صارخ للمصالح، وضرب مباشر لمبدأ المنافسة الشريفة. في هذا المشهد، لا مكان للأخلاق ولا للضمير، فقط حسابات الربح والسيطرة، ولو كان الثمن صحة الملايين.

أما التواصل، فحدث ولا حرج. غياب تام، تعتيم، ومنع حتى الأطر الشابة من الاطلاع على شروط توظيفها، وكأننا أمام “ضيعة” تُدار بمنطق خاص، لا مؤسسة عمومية يفترض أنها خاضعة للمساءلة. هذا العبث لا يهدد فقط الوكالة، بل يهدد الأمن الصحي الوطني برمته.

اليوم، المسؤولية سياسية قبل أن تكون إدارية. وزير الصحة والحماية الاجتماعية مطالب بتفسير هذا الانهيار، لا بتسويق الشعارات. والحكومة مطالبة بالكف عن حماية الفشل، لأن السكوت هنا شراكة في الجريمة. فحين يُترك سوق الدواء رهينة المصالح، ويُدفع المواطن ثمن الدواء غاليًا، أو يُحرم منه، فإننا لا نتحدث عن خلل، بل عن خيانة لجوهر الدولة الاجتماعية.

المغاربة لا يطلبون المستحيل، بل حقهم في دواء متوفر، آمن، وبسعر معقول. وكل تأخير في تصحيح هذا المسار هو حكم إضافي على المريض بأن يبقى ضحية منظومة مختلة، ووزارة غائبة، وحكومة تضع المصالح فوق الأرواح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى