زلزال الحكامة الصحية بفاس: “الوالي” آيت الطالب يُدشِّن عهد المجموعات الترابية بحضور أخنوش.. والوزير “القادم من موروكومول” يكتفي بالحضور وسط صفيح بركاني ساخن!

تشهد رحاب كلية الطب والصيدلة بفاس، يوم الغد الثلاثاء 9 يونيو 2026 بكلية الطب و الصيدلة بفاس، حدثاً استثنائياً يؤرخ لبداية عهد جديد في حكامة القطاع الصحي بالمملكة؛ حيث ينعقد أول اجتماع لمجلس إدارة المجموعة الصحية الترابية (GST) لجهة فاس-مكناس. هذا الاجتماع الرفيع الذي يترأسه رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وبحضور والي جهة فاس-مكناس البروفيسور خالد آيت طالب، والوزير الحالي للقطاع، والمدير العام المعين للمجموعة البروفيسور عبد الكريم الداودي، لا يمثل مجرد إجراء إداري، بل هو إعلان صريح عن انطلاق قطار الإصلاح الصحي العميق من محطة العاصمة العلمية، في مشهد يضع الفاعلين أمام محاكمة ميدانية صامتة تبرز الفارق بين من يصنع المشاريع الكبرى ومن يكتفي بالجلوس على مقاعدها.
مهندس الورش يدخل من باب الإدارة الترابية للسهر على التنزيل
تحمل الصورة التي تصدرت غلاف دليل التنظيم الهيكلي للمجموعة الصحية الترابية لجهة فاس-مكناس —والتي تجمع جلالة الملك محمد السادس نصره الله بالبروفيسور خالد آيت طالب وهو يتفقد أحد المستشفيات العمومية— رسائل سياسية وتدبيرية بالغة الأهمية. هذه الصورة تختزل أمرين أساسيين:
-
أولاً: أن مهندس مشروع المجموعات الصحية الترابية سيسهر بنفسه، من موقعه الجديد كوالي للجهة، على تتبع وتنزيل هذا الورش الملكي؛ فآيت طالب هو من قاد هذا المشروع وصاغ ملامحه القانونية والتشريعية منذ أن كان فكرة بوزارة الصحة، ودافع عنه في ردهات البرلمان حتى المصادقة عليه داخل المؤسسة التشريعية.
-
ثانياً: أن جهة فاس-مكناس باتت تحظى بـ “بروفايل تدبيري” استثنائي؛ فالأمر يتعلق بوالي يمتلك صلاحيات واسعة وشاملة بالجهة، ويجمع بين السلطة التنفيذية الموسعة جهوياً، وخبرة وزير سابق للصحة والحماية الاجتماعية، وكفاءة مدير سابق للمركز الاستشفائي الجامعي بفاس (CHU)، مما يعني معرفة دقيقة وميدانية بنقاط القوة والضعف في الخريطة الصحية للجهة.
خالد آيت طالب: مسيرة الوفاء للتوجيهات الملكية السامية
لم يكن اختيار البروفيسور خالد آيت طالب على رأس ولاية فاس-مكناس وليد الصدفة، بل هو استثمار مباشر في كفاءة رجل قاد أكبر الثورات الهيكلية في قطاع الصحة المغربي تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك.
“إن الوالي آيت طالب هو المسؤول الذي نال شرف تقديم التصور الجديد للمنظومة الصحية أمام أنظار جلالة الملك محمد السادس، واضعاً اللبنات الأولى لثورة القرب والعدالة المجالية في العلاج.”
وخلال مساره الوزاري، نجح آيت طالب في ترجمة الرؤية الملكية إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع، لعل أبرزها:
-
تأهيل 1400 مركز صحي من الجيل الجديد: وهي المبادرة الاستراتيجية التي غيرت وجه طب القرب بالمغرب ووفرت بيئة علاجية تليق بكرامة المواطن.
-
إرساء التوجيهات الملكية بإنشاء 12 مستشفى جامعياً: تغطية كافة جهات المملكة الاثني عشر بمراكز استشفائية جامعية لضمان السيادة الصحية الإقليمية وتخفيف الضغط عن المدن الكبرى.
المفارقة الصارخة: وزير قادم من “موروكومول” وسط صفيح بركاني ساخن
في المقابل، يقف وزير الصحة الحالي، أمين التهراوي —الذي يسجل حضوره في هذا الاجتماع— كواجهة لتدبير قطاعي يثير الكثير من علامات الاستفهام. فالرجل، القادم من ردهات تسيير المراكز التجارية الفاخرة (“موروكومول”) والبعيد كل البعد عن خصوصيات قطاع الصحة العمومية وأنين المستشفيات، لم يضف أي قرار جديد أو بصمة مبتكرة؛ بل يكتفي بمواصلة واجترار ما وضعه وسلّمه سلفه البروفيسور آيت طالب من مخططات وقوانين جاهزة.
بل إن الحصيلة الأبرز للوزير الحالي، حتى الآن، تجلت في نجاحه “الملحوظ” في إشعال فتيل الاحتجاجات العارمة داخل القطاع وتعميق الاحتقان الاجتماعي. لقد كادت البلاد أن تدخل نفقاً مظلماً من الاضطراب بعد أن ساهمت القرارات الوزارية المرتبكة في إخراج “جيل جديد” من الأطر الطبية والتمريضية إلى الشارع للاحتجاج، في مشاهد لم يعهدها القطاع بالقوة الحالية منذ فترة الربيع العربي، وخاصة بعد الانتفاضة الشهيرة وغير المسبوقة التي شهدها مستشفى الحسن الثاني بأكادير. إنها مفارقة تدبيرية صارخة بين مسؤول يدرك نبض الميدان الطبي، ووزير يدير المنظومة الصحية بمنطق “الشركات التجارية” فوق حقل من الألغام البشرية والاجتماعية.
امتحان البروفيسور الداودي: الخروج من “المركز” إلى جغرافيا الأقاليم التسعة
أمام هذا المشهد المعقد، يجد المدير العام المعين للمجموعة الصحية الترابية بفاس-مكناس، البروفيسور عبد الكريم الداودي، نفسه أمام تحدٍّ تاريخي يفرض عليه استخلاص العبر من التجارب السابقة، والخروج فوراً من جلباب “المدير الأكاديمي” للمستشفى الجامعي أو المراكز المدنية الضيقة.
إن تدبير مجموعة صحية ترابية في جهة كجهة فاس-مكناس لا يشبه في شيء إدارة مؤسسة استشفائية مغلقة غارقة في البروتوكولات الإدارية. فالنفوذ الترابي للمجموعة يمتد عبر أقاليم الجهة التسعة، مقتحماً الجبال الوعرة، والقرى النائية، والجماعات الترابية التي تعاني الهشاشة والتهميش.
وإذا لم يستوعب البروفيسور الداودي الخصوصيات الديمغرافية والجغرافية الصعبة لجهة فاس-مكناس مقارنة بباقي جهات المملكة، وإذا لم يستفد من تجارب التدبير الإقليمي السابق ويتعاطى مع النفوذ الترابي بكل أبعاده، فإنه سيواجه دون شك جداراً سميكاً من الصعوبات الميدانية، فالساكنة في أعالي جبال بولمان، تاونات، والحاجب لا تنتظر بروتوكولات مكتبية، بل تنتظر “عدالة علاجية” حقيقية تصل إلى مداشرهم.
تحالف الكفاءات وسلطة القرار: الوالي كصمام أمان
لحسن حظ جهة فاس-مكناس، فإن وجود البروفيسور خالد آيت الطالب كوالي للجهة —بما يمثله من سلطة تنفيذية واسعة وخبرة قطاعية عميقة— يعد صمام الأمان الحقيقي لإنجاح هذا الورش الملكي. وبصفته المهندس الأصلي لمشروع المجموعات الصحية الترابية، يمتلك الوالي الرؤية الاستراتيجية والقدرة الميدانية على تقويم أي اعوجاج تدبيري، وتوجيه الإدارة المعينة للمجموعة نحو الفعالية الحقيقية.
إن اجتماع اليوم بتراؤس رئيس الحكومة عزيز أخنوش هو لحظة الحقيقة؛ فإما الانطلاق بقوة مستمدة من شرعية الورش الملكي وخبرة رجالاته الميدانيين، أو الغرق في مستنقع الارتجال السياسي الذي يهدد القطاع على المستوى المركزي. الأقاليم التسعة لجهة فاس-مكناس تنتظر الإجابة، والخطأ في هذه المرحلة… ممنوع.
أيت طالب و جائحة فيروس كورونا و المغاربة يتذكرون
والي جهة فاس مكناس البروفيسور خالد آيت طالب، الذي ارتبط اسمه خلال السنوات الأخيرة بأهم التحولات التي عرفها القطاع الصحي المغربي، سواء خلال تدبير جائحة كوفيد-19 أو خلال إطلاق الإصلاحات الهيكلية الكبرى التي تشهدها المنظومة الصحية الوطنية. فقد كان آيت طالب من أبرز الوجوه التي قادت المواجهة الصحية خلال فترة استثنائية عاشها العالم بأسره، حيث واجه المغرب تحديات غير مسبوقة فرضتها الجائحة، من تدبير الطاقة الاستيعابية للمستشفيات، إلى توفير اللقاحات، وتأمين استمرارية الخدمات الصحية الأساسية، وصولاً إلى إطلاق واحدة من أكبر الحملات الوطنية للتلقيح على المستوى الإفريقي والعربي. كما ارتبط اسمه بإطلاق أوراش إصلاحية استراتيجية شملت إعادة هيكلة المنظومة الصحية وإرساء أسس الحماية الاجتماعية الشاملة وتحديث البنية التشريعية والتنظيمية للقطاع.
ولم تكن جائحة كورونا مجرد أزمة صحية عابرة، بل شكلت اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على تدبير الأزمات. وفي هذا السياق برزت الحاجة إلى إعادة التفكير في النموذج الصحي الوطني، وهو ما تُرجم لاحقاً في إطلاق إصلاحات عميقة ترتكز على حكامة جديدة للقطاع، وتثمين الموارد البشرية، وتأهيل العرض الصحي، وإرساء منظومة رقمية متكاملة. وقد شكلت المجموعات الصحية الترابية أحد أهم أعمدة هذه الرؤية الجديدة التي دافع عنها خالد آيت طالب خلال فترة إشرافه على الوزارة.
بناءً على هذا المشهد المتناقض، يضع اجتماع العاصمة العلمية قطار الإصلاح الصحي أمام منعرج حاسم لا يقبل القسمة على اثنين. إن نجاح المجموعة الصحية الترابية لجهة فاس-مكناس لن يُقاس بعدد الاجتماعات الماراطونية أو بالتقارير الورقية الملونة الصادرة عن مركز القرار بالرباط، بل بمدى قدرتها على تغيير الواقع المعيشي المُرّ للمواطن في أقاصي جبال تاونات، وبولمان، ومداشر الحاجب وإيفرين.
اليوم، تملك جهة فاس-مكناس امتيازاً استثنائياً لا يتكرر؛ يكمن في وجود مهندس الورش نفسه، البروفيسور خالد آيت طالب، على رأس سلطتها التنفيذية، مدعوماً بكفاءة ميدانية للمدير العام المعين. هذا “التحالف التدبيري” القوي هو الضامن الوحيد لإحباط أي ارتدادات قد ينتجها ضعف الحكامة المركزية أو منطق “التسيير التجاري” الذي أشعل فتيل الشارع الصحي.
لقد رُفعت الأقلام وجُفّت الصحف التشريعية، وبدأت لحظة الحقيقة والمحاسبة على أرض الميدان. فإما أن ترسم مجموعة فاس-مكناس معالم “الثورة الصحية الملكية” وتتحول إلى النموذج الأنجح على الصعيد الوطني، أو أن تبتلع جغرافيا الأقاليم التسعة بخصوصياتها المعقدة كل القادمين من خلف المكاتب المكيفة. الأيام القليلة القادمة كفيلة بالإجابة، والخطأ في هذه المحطة الاستراتيجية… ممنوع.






