سياسة

رئيسة المجلس الأعلى للحسابات بالبرلمان لتقديم حصيلة القضاء المالي وتوضيح الفاصل بين الخطأ التدبيري والجريمة الجنائية

مثلّت زينب العدوي، الرئيسة الأولى للمجلس الأعلى للحسابات، أمام البرلمان في جلسة خصصت لتقديم حصيلة عمل المحاكم المالية، حيث حرصت على وضع النقاش العمومي حول قضايا التدبير المالي في إطاره الدستوري والقانوني الصحيح، مؤكدة أن مهام هذه المحاكم لا تستهدف المسّ بنزاهة الأشخاص، بقدر ما تروم تقويم اختلالات التدبير العمومي والرفع من جودة الحكامة.

وأبرزت العدوي، في عرضها أمام مجلسي النواب والمستشارين، أن القضايا المعروضة في إطار التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية ترتبط أساساً بأخطاء تدبيرية، ولا تعني تلقائياً وجود اختلاس أو تبديد للمال العام، مشددة على أن المحاكم المالية تشكل مستوىً وسطاً بين غياب أي جزاء والإحالة على القضاء الجنائي.

توضيح مؤسساتي في سياق حساس

وفي سياق سياسي يتسم بقرب استحقاقات انتخابية، نبهت رئيسة المجلس الأعلى للحسابات إلى خطورة الاستغلال غير المسؤول لمخرجات أعمال المحاكم المالية، داعية إلى التمييز بين الرقابة والتأديب المالي من جهة، والمتابعة الجنائية من جهة أخرى، تفادياً لأي خلط قد يسيء إلى النقاش العمومي ويُربك ثقة المواطنين في المؤسسات.

وأكدت أن تضخيم بعض التقارير أو تقديم كل مهمة رقابية على أنها تحقيق في قضايا فساد، يدخل في خانة ما وصفته بـ “تمثل الفساد”، معتبرة أن آثاره السلبية لا تقل خطورة عن الفساد الفعلي، لما يترتب عنه من تشويش وضرب لمصداقية العمل الرقابي.

فلسفة التأديب المالي وأبعاده الوقائية

وأوضحت العدوي أن فلسفة التأديب المالي تقوم على المساءلة المقننة، وليس على التجريم، مشيرة إلى أن عدداً كبيراً من المخالفات المسجلة يعود إلى سوء تطبيق النصوص القانونية، أو عدم احترام المساطر المعمول بها، أو التقصير في الإشراف، وهي ممارسات لا ترقى إلى مستوى الجريمة المالية ولا تفترض بالضرورة سوء النية.

وأضافت أن المحاكم المالية تعتمد مساراً مضبوطاً في معالجة الملفات، يرتكز على المسطرة التواجهية، والتحليل الموضوعي، والقرار الجماعي، مع مراعاة التوازن بين كلفة المساطر وحجم الرهانات المالية، وتغليب الأدوار الوقائية والبيداغوجية قبل تفعيل آليات الزجر.

أثر مالي وإحالات جنائية محدودة

وكشفت رئيسة المجلس الأعلى للحسابات أن تفاعل عدد من الأجهزة العمومية مع ملاحظات وتوصيات المحاكم المالية مكّن من تحقيق أثر مالي فاق 629 مليون درهم، حتى قبل مباشرة مساطر إثارة المسؤولية، وهو ما يعكس نجاعة المقاربة المعتمدة.

وبخصوص الإحالات ذات الطابع الجنائي، أوضحت العدوي أن عددها يظل محدوداً مقارنة بحجم التدبير العمومي، حيث تم خلال السنوات الأخيرة إحالة ملفات معدودة على رئاسة النيابة العامة، همت نسبة ضئيلة جداً من الجماعات الترابية والأجهزة العمومية، ما يؤكد أن الأغلبية الساحقة من الاختلالات لا تدخل في خانة الجرائم الجنائية.

الشكايات والأرقام… معطيات تفكك خطاب التهويل

وفي ما يتعلق بالشكايات، أبرزت العدوي أن آلاف الشكايات التي تتوصل بها المحاكم المالية لا تفضي في معظمها إلى فتح مهام رقابية أو إحالات قضائية، إذ تبقى نسب الملفات التي تستوجب التأديب المالي أو الإحالة الجنائية ضعيفة جداً، مقارنة بالحجم الإجمالي للشكايات، وهو ما يفند، حسبها، خطاب التهويل المرتبط بالفساد.

نحو نقاش عمومي عقلاني

وخلصت رئيسة المجلس الأعلى للحسابات إلى التأكيد على ضرورة ترشيد النقاش العمومي حول قضايا المال العام، والاحتكام إلى المعطيات والمؤسسات، بدل الخلط بين الرقابة والمحاسبة الجنائية، بما يضمن حماية المصلحة العامة، وصون حقوق المسؤولين، وتعزيز الثقة في دولة المؤسسات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى