قضايا

جهة فاس–مكناس بين رهانات التعمير وزحف البناء العشوائي: استنفار إداري ورسالة حزم من وزارة الداخلية

تجدّد الجدل بجهة فاس–مكناس حول تفاقم ظاهرة البناء العشوائي، خاصة بالمناطق المحيطة بالمدن الكبرى وبعدد من الجماعات الترابية ذات الطابع القروي وشبه الحضري، في سياق وطني يتسم بحالة استنفار واسعة بعدد من عمالات وأقاليم المملكة للتصدي لزحف التعمير غير القانوني الذي يتسارع، وفق تقارير إدارية، خلال شهر رمضان مستغلاً فترات التراخي الليلي وما يُعرف برخص “الإصلاح” التي يتم توظيفها خارج إطارها القانوني.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن بعض الدواوير والمجالات الهامشية المحيطة بالمدن تعرف تحولات عمرانية متسارعة، عبر تشييد بنايات سكنية ومستودعات ومنشآت ذات طابع صناعي دون الحصول على التراخيص القانونية اللازمة، في خرق سافر لمقتضيات قانون التعمير وضوابط وثائق التهيئة.

وتحذر تقارير رفعتها مصالح الشؤون الداخلية من تنامي نشاط شبكات للتجزيء السري، تقوم بتقسيم أراضٍ فلاحية أو غير مجهزة إلى بقع تُباع خارج أي مسطرة قانونية، ما يهدد بتحويل جماعات قروية إلى مراكز حضرية فوضوية تفتقر إلى أدنى شروط السلامة والبنيات التحتية، ويُحمّل الجماعات لاحقاً أعباء التسوية وإعادة الهيكلة.

وتزداد خطورة الظاهرة، وفق فاعلين محليين، حين يُقدم بعض الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم “فوق القانون” على تشييد أسوار إسمنتية وأبواب حديدية تغلق مسالك وطرقاً عمومية، أو الاستيلاء على أجزاء من الملك العام دون حسيب أو رقيب، مستندين إلى نفوذ اجتماعي مفترض.

وتُسجل في بعض المناطق حالات إقامة بنايات ضخمة في ظرف وجيز، غالباً خلال فترات الليل أو العطل، في محاولة لفرض أمر واقع يصعب التراجع عنه لاحقاً، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول نجاعة آليات المراقبة المحلية ودور أعوان السلطة واللجان التقنية المختلطة.

وكشفت تقارير إدارية حديثة عن رصد حالات تواطؤ لبعض المنتخبين المحليين في منح رخص أحادية مخالِفة للقانون، أو التغاضي عن مخالفات واضحة مقابل استفادات غير مشروعة مرتبطة بما يُوصف بـ”ريع البناء العشوائي”. كما أوردت التقارير وجود ضعف في التنسيق بين المصالح المعنية بالمراقبة، ما يتيح لبعض المخالفين هامشاً زمنياً لتنفيذ أشغالهم قبل تدخل السلطات.

ويؤكد متتبعون أن استمرار هذا الوضع من شأنه أن يُقوض جهود التخطيط العمراني المندمج الذي تسعى إليه الدولة، خاصة بجهة فاس–مكناس التي تشهد أوراشاً تنموية كبرى في مجالات البنية التحتية والتأهيل الحضري، ما يتطلب بيئة قانونية منضبطة تحمي الاستثمار وتحافظ على جمالية المشهد العمراني.

في المقابل، شددت وزارة الداخلية في توجيهاتها الأخيرة إلى الولاة والعمال على ضرورة تفعيل الصرامة في مواجهة كل أشكال البناء غير القانوني، وتطبيق المساطر الزجرية المنصوص عليها في قانون التعمير دون تهاون، بما في ذلك الهدم الفوري للبنايات المخالفة ومتابعة المتورطين قضائياً.

وأكدت المصادر ذاتها أن زمن التساهل قد انتهى، وأن المرحلة تقتضي تعبئة شاملة لمختلف المتدخلين، من سلطات محلية ومجالس منتخبة ووكالات حضرية ومصالح تقنية، لضمان احترام القانون وحماية المجال الترابي من التشويه والتسيب.

ويرى متابعون أن معالجة الظاهرة لا تقتصر على المقاربة الزجرية وحدها، بل تقتضي أيضاً تبسيط مساطر الترخيص، وتسريع إخراج وثائق التعمير، وتعزيز المراقبة القبلية والبعدية، إلى جانب ربط المسؤولية بالمحاسبة في حق كل من يثبت تورطه في تسهيل أو التغاضي عن خروقات عمرانية.

فجهة فاس–مكناس، بما تزخر به من مؤهلات تاريخية واقتصادية وسياحية، مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى صون مجالها الترابي من العبث، وترسيخ ثقافة احترام القانون، حتى لا تتحول بعض هوامشها القروية وشبه الحضرية إلى بؤر عشوائية تُثقل كاهل الدولة والمواطن معاً.

وفي انتظار نتائج الحملات الجارية، يبقى الرهان معقوداً على يقظة السلطات وتعاون المواطنين، من أجل إيقاف نزيف البناء العشوائي ووضع حد لكل من يستبيح المجال العام ويعتبر نفسه بمنأى عن سلطة القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى