قضايا

تحقيق استقصائي: 300 رخصة غير قانونية و22 قتيلاً.. هل تُفجّر فاجعة فاس ملف “التعمير الأسود” في زواغة بنسودة؟

لم يكن انهيار عمارتين بحي المسيرة بمقاطعة زواغة بنسودة، الذي أودى بحياة 22 مواطناً بريئاً في واحدة من أسوأ الفواجع العمرانية بالمدينة،  ليس مجرد حادث قضاء وقدر كما أراد النائب الأول لرئيس مقاطعة زواغة تصوره خلال تصريحاته للصحافة محاولا الهروب من الواقع وهو المسؤول على قسم التعمير. بل هو، وفقاً للمعطيات المستخلصة، نتيجة مباشرة لسلسلة من التجاوزات والملفات المجمدة التي ظلت لسنوات تشكل “قنبلة موقوتة” في قطاع التعمير بالمقاطعة.

لقد تحولت فاجعة المسيرة إلى جرس إنذار دموي، مُسلّطة الضوء مجدداً على ملف سري ومثير للجدل يعود إلى السنوات المنصرمة، يتعلق بـ إصدار 300 رخصة بناء وربط بالشبكات الكهربائية والمائية غير قانونية، وهي مخالفات جسيمة كانت كفيلة بالإطاحة بمسؤولين منتخبين، لكنها جُمدت بقرار إداري مريب.

 الوثائق: كيف رصدت الولاية “التعمير الأسود”؟

تعود البداية إلى فترة ولاية سعيد أزينبر على جهة فاس-مكناس. كشفت لجان التفتيش والتدقيق التي أمر بها الوالي آنذاك عن وجود “فوضى عارمة” و**”تجاوزات غير مقبولة”** في منح رخص التعمير داخل مقاطعة زواغة بنسودة.

الحجة الدامغة:

  • العدد الصادم: رصدت اللجان ما يقارب 300 رخصة تعمير وربط بالشبكات (ماء وكهرباء) تم إصدارها خارج الضوابط القانونية المعمول بها.

  • الإجراء الإداري: بناءً على هذه المخالفات الجسيمة، وجهت السلطات الولائية استفساراً رسمياً وموثقاً إلى رئيس المقاطعة ونائبه الأول، مهددة إياهم بتفعيل المادة 64 من القانون التنظيمي للجماعات الترابية (رقم 113.14). هذه المادة تتيح للوالي اتخاذ قرار التوقيف أو العزل إذا ارتكب المسؤول “مخالفات جسيمة للقانون” أو “أفعالاً تمس بالنزاهة”.

  • أصابع الاتهام: وجهت أصابع الاتهام للمسؤولين المنتخبين، وعلى رأسهم النائب الأول بصفته الموقّع على جزء كبير من هذه الرخص المشبوهة، والتي سمحت بالبناء في مناطق غير مصرح بها أو تجاوز عدد الطوابق المسموح بها.

 جمود غامض: ملف الـ 300 رخصة يُدفن حياً

على الرغم من أن المخالفات كانت موثقة ورسمية لدرجة تحريك مسطرة العزل الإداري، فقد توقف مسار التحقيق بشكل مفاجئ.

تساؤلات تفرض نفسها:

  1. لماذا لم تُفعّل مسطرة العزل؟ لم يتم المضي قدماً في إجراءات عزل المنتخبين المتورطين، مما أطلق العنان لتكهنات حول ضغوط سياسية أو تدخلات فوقية أدت إلى إخماد التحقيق الإداري، وهو ما يبعث برسالة خطيرة مفادها الإفلات من العقاب.

  2. لماذا تم تغييب القضاء؟ الأدهى هو أن هذا الملف، الذي ينطوي على شبهة فساد في قطاع التعمير وتجاوز للقانون الإداري، لم يُحل إلى النيابة العامة لفتح تحقيق جنائي موسع. هذا التقاعس أدى إلى بقاء الرخص سارية المفعول، وتحويل المخالفات إلى وضع قائم يصعب تصحيحه.

  3. العواقب الوخيمة: استمرت مقاطعة زواغة بنسودة، وخصوصاً أحياء المسيرة، في التحول إلى بؤرة للبناء العشوائي والارتفاع في الطوابق (غالباً بناء طبقة رابعة وخامسة)، دون احترام لمعايير السلامة الهيكلية، وهو ما يشير إليه خبراء البناء كأحد أهم أسباب انهيار العمارتين.

 فاتورة الدم: الارتباط بين الرخص والانهيار

اليوم، بعد مأساة المسيرة، لم يعد بالإمكان النظر إلى انهيار البنايات على أنه معزول عن ملف الـ 300 رخصة المجمدة.

  • البيئة المهيئة للفاجعة: لقد ساهم التغاضي عن المخالفات الكبيرة التي رصدتها الولاية سابقاً في خلق “ثقافة تساهل” شجعت المقاولين والمواطنين على التجاوز، واثقين من أن المراقبة لا تتسم بالجدية اللازمة.

  • الحاجة إلى تحقيق شامل: يطالب الرأي العام وهيئات المجتمع المدني حالياً بفتح تحقيق قضائي شامل لا يقتصر فقط على فئة معينة، بل يمتد ليشمل جميع المسؤولين المنتخبين والإداريين الذين سمحوا، عبر قراراتهم أو صمتهم، بنشأة وتفاقم هذه البنايات الخطيرة.

إن أرواح 22 ضحية هي الثمن الباهظ الذي دفعته المدينة مقابل تجميد ملف فساد تعميري. الكرة الآن في ملعب السلطات القضائية والولائية الجديدة، التي عليها أن تختار: إما الإبقاء على الملف سرياً، أو جعله قضية رأي عام يتم فيها جرد المسؤوليات وترتيب القرارات الجنائية والإدارية اللازمة، لضمان أن لا يتحول حي آخر في فاس إلى “قندهار” ينتظر الفاجعة القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى