سياسة

الصلح الجنائي في صلب الإصلاح… قرارات جديدة يقودها هشام بلاوي لتعزيز العدالة التصالحية وتخفيف الضغط عن المحاكم

في خطوة تعكس توجهاً متجدداً نحو تحديث السياسة الجنائية بالمغرب وتعزيز آليات العدالة البديلة، وجّه رئيس النيابة العامة، هشام بلاوي، دورية جديدة إلى الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية، يدعوهم فيها إلى تفعيل مسطرة الصلح بشكل أوسع، باعتبارها آلية فعالة لتسوية النزاعات الجنحية خارج المسار التقليدي للدعوى العمومية.

وتندرج هذه التوجيهات ضمن رؤية إصلاحية تهدف إلى ترسيخ مفهوم العدالة التصالحية، وتقليص عدد القضايا المعروضة على المحاكم الزجرية، بما يساهم في تسريع وتيرة البت في الملفات وتحقيق التوازن بين حماية حقوق الضحايا وضمان نجاعة المنظومة القضائية.

مستجدات قانونية تعزز دور الصلح

وأكدت الدورية أن القانون رقم 03.23، الذي جاء مغيراً ومتمماً لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية، أدخل تعديلات مهمة على المادتين 41 و1-41، مما منح وكلاء الملك صلاحيات أوسع لاقتراح الصلح تلقائياً على أطراف النزاع، والسعي إلى تفعيل هذا الخيار قبل اللجوء إلى المتابعة القضائية.

كما أتاح هذا التعديل إمكانية اللجوء إلى الوساطة بين الأطراف عبر وسيط مختص أو محامي الطرفين، إضافة إلى الاستعانة بخدمات مكتب المساعدة الاجتماعية داخل المحاكم، في خطوة تهدف إلى توفير بيئة قانونية وإنسانية تساعد على إنهاء النزاعات بطريقة توافقية تحفظ كرامة الأطراف المعنية.

توسيع نطاق الجرائم المشمولة بالصلح

ومن أبرز المستجدات التي جاءت بها هذه الإصلاحات توسيع دائرة الجرائم القابلة للصلح لتشمل عدداً من الجنح الأكثر تداولاً أمام المحاكم، من بينها قضايا الضرب والجرح، والسرقة البسيطة، والنصب وخيانة الأمانة، وهي ملفات غالباً ما تتعلق بخلافات اجتماعية أو مالية يمكن حلها بالتوافق بين الأطراف.

كما تم إقرار إمكانية تطبيق مسطرة الصلح في القضايا المتعلقة بالأطفال في نزاع مع القانون، مع مراعاة المصلحة الفضلى للطفل، بما ينسجم مع التوجهات الحديثة التي تركز على الإدماج والإصلاح بدل العقاب.

تبسيط الإجراءات وتعزيز النجاعة القضائية

وشملت التعديلات الجديدة كذلك تبسيط المساطر المرتبطة بالصلح، حيث تم إلغاء بعض الإجراءات التي كانت تعرقل تفعيله في السابق، وعلى رأسها مسطرة المصادقة القضائية. وبموجب التعديلات الحالية، يصبح الصلح نافذاً بمجرد تحرير محضر من طرف وكيل الملك أو أحد نوابه، مع متابعة تنفيذ الالتزامات المتفق عليها بين الأطراف.

ويُنتظر أن يسهم هذا التبسيط الإجرائي في تسريع حل عدد كبير من النزاعات البسيطة، وتخفيف العبء عن المحاكم التي تعاني من تراكم الملفات.

أرقام تعكس تحولاً في الأداء

وتكشف المعطيات الإحصائية الصادرة عن رئاسة النيابة العامة عن تطور ملحوظ في اعتماد مسطرة الصلح خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد المستفيدين منها من 8219 شخصاً سنة 2023 إلى 15862 شخصاً سنة 2024، قبل أن يصل إلى 21963 مستفيداً سنة 2025، بنسبة ارتفاع بلغت حوالي 38 في المائة.

وتعكس هذه الأرقام، بحسب متابعين للشأن القضائي، تنامي وعي النيابات العامة بأهمية العدالة التصالحية كآلية لتخفيف التوتر الاجتماعي، وضمان حقوق الضحايا دون اللجوء دائماً إلى المسار الزجري التقليدي.

توجيهات صارمة لتفعيل السياسة الجنائية الجديدة

وفي إطار تعزيز هذه الدينامية، دعا رئيس النيابة العامة جميع الوكلاء إلى جعل الصلح خياراً أساسياً ضمن تنفيذ السياسة الجنائية، سواء باقتراحه تلقائياً أو بالاستجابة لطلبات الأطراف، وفق المقتضيات القانونية المنظمة لذلك.

كما شدد على ضرورة تفعيل الوساطة بين الأطراف ومنح الوسطاء المهلة الكافية لإنجاح مسطرة الصلح، مع تحديد الغرامات التصالحية في حدود لا تتجاوز نصف الحد الأقصى المقرر قانوناً، أو اعتماد إصلاح الضرر كبديل عن العقوبة.

وأكدت الدورية كذلك على أهمية تتبع تنفيذ الالتزامات المتفق عليها في إطار الصلح، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حال الإخلال بها، مع مواصلة موافاة رئاسة النيابة العامة بالمعطيات الإحصائية بشكل دوري لتقييم أداء مختلف النيابات العامة.

نحو عدالة أكثر إنصافاً ومرونة

ويرى متتبعون أن هذه التوجيهات الجديدة تعكس توجهاً مؤسساتياً واضحاً نحو تحديث العدالة الجنائية بالمغرب، عبر تبني مقاربات أكثر مرونة وإنصافاً، تقوم على المصالحة وجبر الضرر بدل الاقتصار على العقاب.

كما يُرتقب أن تساهم هذه الخطوات في تعزيز الثقة في المؤسسة القضائية، وتخفيف الضغط على المحاكم، وفتح المجال أمام حلول قانونية أكثر سرعة وفعالية، بما يخدم مصلحة المتقاضين ويواكب التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى