قضايا

استثمارات مغاربة وأجانب تحت التدقيق.. مسارات التمويل تضع حقوق تحويل الأموال والعائدات تحت المجهر

الرباط – متابعة

دخلت ملفات استثمارات عقارية وتجارية أنجزها مغاربة مقيمون بالخارج وأجانب ومقيمون بالمغرب دائرة التدقيق، بعد رصد اختلالات مرتبطة بمسارات تمويل عدد من المشاريع، وما قد يترتب عنها من آثار على الوضعية القانونية للاستثمارات وحقوق أصحابها في تحويل رؤوس الأموال والأرباح والعائدات إلى الخارج.

وبحسب معطيات متداولة في هذا الصدد، تتركز عمليات المراجعة على الكيفية التي دخلت بها الأموال إلى المغرب منذ المرحلة الأولى للاستثمار، ونوعية الحسابات البنكية التي استقبلتها، ومدى مطابقة مسار التمويل للمقتضيات المنظمة لعمليات الصرف.

وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة للمستثمرين الأجانب والمغاربة المقيمين بالخارج، بالنظر إلى أن طريقة تمويل الاستثمار ومسار الأموال يمكن أن تكون لهما آثار مباشرة على نظام قابلية التحويل المرتبط بالاستثمار.

ويؤكد مكتب الصرف أن عمليات الاستثمار الأجنبي بالمغرب تخضع لقواعد محددة في ما يتعلق بطرق التمويل، كما يوضح أن الاستثمارات الممولة بالعملة الأجنبية أو عبر حسابات بالدرهم القابل للتحويل تستفيد من نظام قابلية التحويل وفق الشروط والضوابط المعمول بها.

مسار الأموال قبل قيمة الاستثمار

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن التدقيق لا يركز بالضرورة على حجم المشاريع أو طبيعة الأنشطة التي أقيمت، بقدر ما ينصب على المسار المالي الذي سلكته الأموال منذ خروجها من الخارج إلى حين توظيفها في المشروع داخل المغرب.

وتشمل الملفات المعنية استثمارات في العقار والسياحة والخدمات والأنشطة التجارية، أنجزها مستثمرون من جنسيات مختلفة، إلى جانب مغاربة مقيمين بالخارج.

وتبرز في هذا السياق أهمية التمييز بين مصدر الأموال وبين الطريقة القانونية التي دخلت بها إلى المنظومة المالية المغربية، إذ لا يكفي، من الناحية التنظيمية، أن يكون المال قادماً من الخارج، وإنما تظل طريقة تمويل الاستثمار وتوثيقها ومسارها البنكي عناصر أساسية في تحديد الوضعية المرتبطة بقابلية تحويل عائداته.

ويحدد مكتب الصرف، ضمن قواعد التمويل، عدداً من الطرق التي يمكن أن يتم من خلالها تمويل الاستثمار الأجنبي، من بينها التسوية وفق المقتضيات التنظيمية، ودمج بعض الحسابات أو الاحتياطات في رأس المال، والمساهمات العينية الممولة بالعملة الأجنبية أو بالدرهم القابل للتحويل، إضافة إلى استعمال الأموال المتاحة في حسابات قابلة للتحويل في الحالات المنصوص عليها.

الحساب البنكي.. تفصيل تقني بتداعيات مالية

وتبرز الحسابات بالعملة الأجنبية والحسابات بالدرهم القابل للتحويل في صلب هذه المعادلة، باعتبارها أدوات مصرفية لها ارتباط مباشر بقواعد الصرف وبكيفية توثيق التمويل الأجنبي.

ويتيح النظام المغربي للأجانب، المقيمين وغير المقيمين، وللمغاربة المقيمين بالخارج، فتح حسابات بالعملة الأجنبية أو بالدرهم القابل للتحويل وفق الشروط المحددة من طرف مكتب الصرف.

وتكمن أهمية هذه الحسابات في كونها تسمح بإثبات الصلة بين الأموال القادمة من الخارج والاستثمار المنجز في المغرب، بما يساعد على تحديد الحقوق المرتبطة بتحويل الأموال عند تحقق شروط قابلية التحويل.

في المقابل، فإن استعمال حسابات عادية بالدرهم في مراحل تمويل استثمار ممول أصلاً من الخارج قد يثير إشكالات عند محاولة إثبات الطبيعة القابلة للتحويل للأموال بعد مرور سنوات على إنجاز المشروع، خصوصاً إذا لم تكن الوثائق البنكية ومسارات التمويل قد حفظت بالشكل المطلوب.

وهنا تتحول مسألة تقنية تبدو في البداية مرتبطة بإجراءات بنكية إلى عنصر قد تكون له انعكاسات مالية مهمة على المستثمر عند التخارج أو بيع الاستثمار أو تصفيته.

عندما تظهر المشكلة بعد سنوات

وتكشف الملفات التي تخضع للمراجعة عن جانب آخر من الإشكال، يتمثل في احتمال اكتشاف بعض الصعوبات بعد مرور سنوات على إنجاز الاستثمار.

فالمستثمر قد يكون قد اقتنى عقاراً أو أحدث شركة أو أنجز مشروعاً سياحياً أو تجارياً، واستوفى التزاماته الجبائية والتجارية، قبل أن يواجه لاحقاً إشكالاً مختلفاً عند محاولة تحويل حصيلة التفويت أو التصفية إلى الخارج.

وهنا يصبح السؤال المطروح مرتبطاً بالمسار الذي اتخذته الأموال عند دخولها إلى المغرب، وليس فقط بسلامة المشروع من الناحية التجارية أو الجبائية.

ويؤكد مكتب الصرف أن تسوية مداخيل وعائدات التفويت والتصفية المتعلقة بالاستثمار الأجنبي لفائدة المستثمرين الأجانب والمغاربة المقيمين بالخارج تتم وفق المقتضيات المنظمة عندما يتمتع الاستثمار بنظام قابلية التحويل.

قابلية التحويل ليست مرتبطة بحجم المشروع

وتبرز أهمية هذه القاعدة في أن حجم الاستثمار لا يشكل، في حد ذاته، معياراً كافياً لتحديد الحقوق المرتبطة بتحويل الأموال.

فقد يتعلق الأمر بمشروع بمئات الملايين من الدراهم، أو باستثمار أصغر بكثير، بينما يظل المسار الذي تم عبره تمويل العملية والوثائق التي تثبت مصدر الأموال وطريقة إدخالها إلى المغرب عوامل أساسية في تحديد الوضعية القانونية.

وهذا ما يجعل التدقيق في الملفات الحالية ذا أهمية خاصة، خصوصاً بالنسبة إلى الاستثمارات التي تم تمويلها من الخارج ثم تم توظيفها في العقار أو السياحة أو التجارة والخدمات.

مكتب الصرف يراجع الإطار التنظيمي

ويأتي هذا النقاش في وقت دخل فيه المنشور العام لعمليات الصرف 2026 حيز التنفيذ ابتداء من فاتح يناير 2026، في إطار توجه يرمي إلى جعل الإطار التنظيمي أكثر وضوحاً وهيكلة وتبسيطاً، مع مواصلة دعم الاستثمار وتدريجياً تحرير نظام الصرف مع الحفاظ على التوازنات الخارجية للمملكة.

ويؤكد مكتب الصرف أن نظام الصرف المغربي يعرف تطوراً مستمراً للتكيف مع التحولات الاقتصادية ودعم انفتاح الاقتصاد الوطني، مع توسيع نطاق العمليات التي يمكن إنجازها مباشرة لدى الوسطاء المعتمدين.

ومن شأن هذا التطور التنظيمي أن يفرض على المستثمرين والمؤسسات المالية مزيداً من الدقة في توثيق عمليات التمويل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأموال أجنبية واستثمارات قد تمتد آثارها المالية لسنوات.

تدقيق متعدد المصادر

وتتجه عمليات المراجعة، وفق المعطيات المتداولة، إلى إعادة بناء المسار الكامل للأموال من لحظة تحويلها من الخارج إلى غاية استعمالها في الاستثمار.

ويشمل ذلك مطابقة الوثائق البنكية مع المعطيات المتوفرة لدى الجهات المختصة، ومراجعة تواريخ التحويلات والحسابات التي استقبلت الأموال، إضافة إلى مقارنة هذه المعطيات مع الوثائق التجارية والعقارية والتصريحات ذات الصلة.

ويعكس هذا النهج أهمية التنسيق بين مختلف المؤسسات المعنية بالاستثمار والضرائب والصرف والقطاع البنكي، خصوصاً في الملفات ذات القيمة المالية المرتفعة.

كما أن وجود تدقيق لا يعني، في حد ذاته، ثبوت مخالفة أو وجود شبهة في مصدر الأموال أو في طبيعة المشاريع، وإنما يتعلق الأمر بالتحقق من مدى احترام القواعد المنظمة لمسارات التمويل والوثائق المثبتة لها.

المستثمرون أمام ضرورة التدقيق المسبق

وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة أهمية الاستشارة القانونية والمالية قبل تحويل الأموال وبدء الاستثمار، خصوصاً بالنسبة إلى أفراد الجالية المغربية والمستثمرين الأجانب الذين يقررون توظيف أموالهم في المغرب.

فالخطأ في اختيار المسار البنكي أو عدم الاحتفاظ بالوثائق الضرورية قد لا يظهر أثره فوراً، لكنه قد يصبح حاسماً عند بيع العقار أو تصفية الشركة أو تحويل الأرباح والعائدات إلى الخارج.

ومن هنا، فإن توثيق مصدر الأموال ومسارها منذ البداية يظل عنصراً أساسياً في حماية الوضعية القانونية للاستثمار.

كما أن المؤسسات البنكية والمستثمرين مدعوون إلى التعامل بدقة مع القواعد التي يحددها نظام الصرف، خصوصاً أن مكتب الصرف يضع قواعد واضحة لفتح الحسابات بالعملات الأجنبية وبالدرهم القابل للتحويل، ولطرق تمويل الاستثمارات الأجنبية.

نحو مزيد من التدقيق في الاستثمارات العابرة للحدود

وتعكس هذه التطورات توجهاً نحو تشديد الانتباه إلى المسار المالي للاستثمارات العابرة للحدود، في وقت يسعى فيه المغرب إلى جذب مزيد من رؤوس الأموال الأجنبية وتعزيز مساهمة مغاربة العالم في الاقتصاد الوطني.

والتحدي المطروح يتمثل في تحقيق التوازن بين تسهيل الاستثمار وتبسيط الإجراءات من جهة، وضمان احترام قواعد الصرف وتتبع الأموال من جهة أخرى.

فالمستثمر يحتاج إلى وضوح في القواعد منذ لحظة إدخال أمواله إلى المغرب، كما تحتاج السلطات إلى ضمان إمكانية تتبع العمليات والتحقق من سلامتها القانونية.

وفي هذا الإطار، يظل نظام قابلية التحويل إحدى النقاط الأساسية التي ينبغي للمستثمر الإحاطة بها قبل بدء المشروع، لأن الحقوق المرتبطة بتحويل رأس المال والعائدات لا تنفصل عن الطريقة التي تم بها تمويل الاستثمار وتوثيقها.

وتشير القواعد المنشورة من طرف مكتب الصرف إلى أن الاستثمارات التي تستوفي شروط قابلية التحويل تتمتع بإطار واضح لتسوية مداخيلها وعائدات التفويت والتصفية، بينما تخضع الاستثمارات غير المتمتعة بهذا النظام لقواعد مختلفة في تسوية العائدات.

وفي المحصلة، يسلط التدقيق الجاري الضوء على جانب تقني لكنه بالغ الأهمية في بيئة الاستثمار بالمغرب: ليست قيمة المشروع وحدها ما يحدد حقوق المستثمر، وإنما أيضاً الطريقة التي دخلت بها أمواله إلى المملكة، والحسابات التي مرت عبرها، والوثائق التي تثبت مسار التمويل.

ومع استمرار عمليات المراجعة، يبقى الرهان الأساسي هو ضمان وضوح القواعد أمام المستثمرين، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية، وتفادي أن تتحول أخطاء إجرائية في بداية الاستثمار إلى عراقيل مالية وقانونية بعد سنوات من إنجاز المشاريع.

وفي المقابل، فإن أي نتائج نهائية لهذه المراجعات تظل مرتبطة بما ستسفر عنه عمليات التدقيق والتحقق من الملفات حالة بحالة، دون استباق خلاصاتها أو اعتبار مجرد إخضاع ملف للمراجعة دليلاً على وجود مخالفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى