قضايا

ملف الأحد :المنتخبون تحت الرقابة المالية… العدّ العكسي للمحاسبة الكبرى… تمظهرات في التحولات المغربية

ملف الأحد من إعداد : عبدالله مشواحي الريفي

المنطقة الرمادية التي تختلط فيها السياسة بالمال

لم يعد السؤال المطروح في كواليس السياسة المحلية هو: هل ستقع المحاسبة؟ بل: متى وبأي ثمن؟
في المغرب، تراكمت لعقود ممارسات تدبيرية جعلت من الانتداب الانتخابي درعاً واقياً من المساءلة، ومن الجماعات الترابية مجالاً رمادياً تختلط فيه السياسة بالمال، والنفوذ بالمصلحة العامة. غير أن هذا الوضع بدأ يتصدّع بشكل واضح، مع تحوّل مؤسسات الرقابة من دور المراقب الصامت إلى فاعل مباشر في مسار إعادة ضبط قواعد اللعبة.
ما يجري اليوم ليس حملة ظرفية، ولا تصفية حسابات سياسية، بل مرحلة انتقالية دقيقة تُعيد فيها الدولة رسم حدود  ربط المسؤولية بالمحاسبة من خلال تنزيل توجيهات ملكية سامية، وتضع المنتخبين أمام حقيقة صادمة: زمن التدبير بلا كلفة يقترب من نهايته.

الرقابة المالية: من الملاحظة إلى التفكيك

عرفت المجالس الجهوية للحسابات و المفتشية العامة لوزارتي الداخلية و المالية خلال السنوات الأخيرة تحولاً نوعياً في طريقة اشتغالها. فالتقارير لم تعد تُبنى على تسجيل خروقات معزولة، بل على تحليل شامل لأنماط التدبير، وربط الوقائع ببعضها البعض عبر الزمن والمجال. هذا التحول جعل من الرقابة المالية أداة تفكيك حقيقية لبُنى اختلال ظلت لسنوات محصنة بالرتابة الإدارية أو التواطؤ السياسي.
اللافت أن هذه الرقابة تُمارَس اليوم بهدوء شديد، دون تسريبات ولا حملات إعلامية، ما يعكس إرادة واضحة في الوصول إلى نتائج صلبة قابلة للتنزيل القانوني، بدل الاكتفاء بإثارة الرأي العام دون أثر مؤسسي دائم.

ما بعد 2021: المجالس الجديدة في مواجهة إرث ثقيل

أفرزت انتخابات 2021 مجالس ترابية جديدة رفعت شعارات القطيعة مع الماضي، غير أن الواقع أظهر سريعاً أن جزءاً كبيراً من هذا الماضي ما يزال حاضراً وعاد بشكل مخيف في طرق التدبير والاختيار. فعدد من المجالس واصل العمل بنفس الآليات القديمة: صفقات متعثرة، مشاريع متأخرة،وهدر للمال العام في واضحة النهار، وقرارات تُتخذ خارج منطق التخطيط والتقييم.
هذا التناقض بين الخطاب والممارسة جعل المجالس الجهوية للحسابات تتعامل و المفتشيات المعنية مع المرحلة باعتبارها فرصة اختبار حقيقية لمدى قدرة المنتخبين الجدد على القطع مع الاختلالات السابقة، أو إعادة إنتاجها بأسماء مختلفة.

من المنتخب المحلي إلى البرلماني: اتساع دائرة الاشتباه

لم تَعُد المتابعات والافتحاصات تقتصر على المنتخبين المحليين، بل اتسعت دائرتها لتشمل برلمانيين ومسؤولين جمعوا بين التمثيل السياسي والتدبير المحلي أو المصالح الاقتصادية. هذا الاتساع يعكس وعياً مؤسسياً بأن الخلل لا يكمن فقط في مستوى الجماعات، بل في تداخل الأدوار وتراكم النفوذ دون ضوابط فعالة.
وقد أظهرت قضايا عُرضت على القضاء خلال السنوات الأخيرة أن الحصانة البرلمانية لم تعد جداراً مانعاً، وأن شبهة تبديد المال العام أو استغلال النفوذ كفيلة بفتح مساطر المتابعة، مهما كان الموقع السياسي للمعني بالأمر.

الاعتقالات والمتابعات: رسالة الدولة بلا خطابات

حملت الاعتقالات والمتابعات التي طالت منتخبين ومسؤولين محليين دلالات سياسية عميقة، أهمها أن الدولة اختارت منطق الفعل بدل الخطاب. فهذه الإجراءات، وإن كانت تُقدَّم قانونياً في إطارها القضائي الصرف، إلا أنها بعثت برسالة واضحة مفادها أن المحاسبة لم تعد انتقائية ولا مؤجلة إلى ما لا نهاية.
الأخطر في هذه المتابعات ليس عددها، بل طبيعتها، إذ لم تعد مرتبطة فقط بقضايا رشوة مباشرة، بل بملفات أكثر تعقيداً تتعلق بتدبير الصفقات، وتفويت العقارات، وتضارب المصالح، وهي مجالات ظلت لسنوات خارج دائرة المساءلة الفعلية.

الأحزاب السياسية: ارتباك الصمت والخوف من العدوى

وجدت الأحزاب السياسية نفسها في وضعية حرجة أمام هذا التحول. فمن جهة، لا تستطيع المجاهرة بالدفاع عن منتخبين تحيط بهم شبهات ثقيلة، ومن جهة أخرى تخشى أن تتحول المحاسبة إلى كرة ثلج تطال أسماء أخرى داخل نفس التنظيمات.
هذا الارتباك تجلّى في خطاب باهت، وصمت محسوب، ومحاولات لفصل المسؤولية الفردية عن الانتماء الحزبي، في مؤشر على أن الأحزاب بدورها لم تستعد بعد لمرحلة تُصبح فيها المحاسبة جزءاً من الحياة السياسية اليومية.

القوانين الانتخابية المنتظرة: إعادة ضبط قواعد اللعبة

في خلفية هذا المشهد، تبرز ورش القوانين الانتخابية المنتظر المصادقة عليها بشكل نهائي، والتي يُعوَّل عليها لإعادة تنظيم الحقل السياسي والحد من أعطاب التمثيل. هذه القوانين لا تتعلق فقط بالاقتراع، بل بشروط الترشح، وضبط تمويل الحملات، ومنع حالات تضارب المصالح، وتعزيز آليات التخليق.
ويرى متابعون أن هذه الإصلاحات، إذا ما نُفّذت بروحها لا بنصها فقط، قد تشكّل صمام أمان يمنع إعادة إنتاج نفس النخب ونفس الممارسات، ويجعل من الانتداب مسؤولية حقيقية لا مجرد امتياز سياسي.

بين المحاسبة والانتقاء: سؤال الثقة

رغم هذا المسار، يظل سؤال الثقة مطروحاً بقوة: هل ستشمل المحاسبة الجميع دون استثناء؟ أم ستظل مرتبطة بتوازنات ظرفية؟
هذا السؤال يكتسي أهمية قصوى، لأن أي شعور بانتقائية المتابعة قد يُفرغ هذا التحول من مضمونه الإصلاحي، ويحوّله إلى مجرد لحظة عابرة. لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في فتح الملفات، بل في استكمالها إلى نهاياتها القانونية والمؤسساتية.

مصادرة الممتلكات: حين تتحول العقوبة من السجن إلى تجفيف المنابع

ما يميّز المرحلة القضائية الراهنة في قضايا الجرائم المالية المرتبطة بالمنتخبين، ليس فقط اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية، بل الاعتماد المتزايد على مصادرة الممتلكات كجوهر للعقوبة. فقد بدأت المحاكم، استناداً إلى مقتضيات القانون الجنائي وقوانين غسل الأموال، في تبنّي مقاربة أكثر صرامة تقوم على تجفيف منابع الإثراء غير المشروع، بدل الاكتفاء بعقوبات لا تمس جوهر الاستفادة غير القانونية. هذا التوجه يعكس تحوّلاً نوعياً في فلسفة العقاب، إذ لم يعد الهدف هو معاقبة الفعل فقط، بل استرجاع ما اعتُبر مكسباً غير مشروع وإعادة توجيهه إلى الصالح العام.
مصادرة العقارات، الحسابات البنكية، الأسهم، والممتلكات المسجلة بأسماء الأقارب أو الواجهات، باتت أداة مركزية في الأحكام الصادرة أو المنتظرة، ما يوجّه رسالة واضحة إلى المنتخبين مفادها أن الثمن لم يعد سياسياً أو حبسياً فقط، بل مالياً واجتماعياً، وقد يمتد أثره إلى محيطهم العائلي والاقتصادي. بهذا المعنى، تدخل المحاسبة مرحلة أكثر إيلاماً، لأنها تستهدف المنفعة لا الموقع، وتُسقط وهم أن السلطة الانتخابية قادرة على حماية الثروة المتأتية من خرق القانون.

 لحظة الحقيقة للسياسة المحلية

يقف المنتخبون اليوم أمام لحظة فاصلة في تاريخ التدبير المحلي بالمغرب. فإما أن يستوعبوا أن المرحلة الجديدة تفرض منطقاً صارماً في الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، أو يستمروا في تجاهل التحولات الجارية، فيدفعوا ثمن ذلك سياسياً وقانونياً.
ما يحدث ليس تصفية حسابات، بل إعادة تعريف للسلطة ، تُخرجها من منطق النفوذ الشخصي إلى منطق الخدمة العمومية. وفي هذا السياق، فإن العدّ العكسي للمحاسبة الكبرى قد بدأ فعلاً، ومن يعتقد أن الزمن سيعود إلى الوراء، يقرأ المشهد بعين الماضي لا بعين الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى