اقتصاد

“مليارات فاس مكناس: ‘الاختلالات المنهجية’ تُطيح بالجودة، و’عقلية الإقصاء’ تضرب الشفافية.. متى يُفتح ‘الصندوق الأسود’ لوكالة التنفيذ؟”

 

تُثير طريقة تدبير الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع التابعة لمجلس جهة فاس مكناس لميزانيات التنمية العمومية عاصفة من الجدل والتساؤلات المقلقة حول فعالية الإنفاق العمومي وجودة المنجزات على مستوى الجهة. ففي الوقت الذي تُعلن فيه الوكالة عن أرقام ضخمة، تُقدر بأكثر من 800 مليون درهم (حوالي 80 مليار سنتيم) في الفترة ما بين 2021 و2024 ضمن برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وتُشرف على 126 مشروعاً بنسبة إنجاز تفوق 89% وفق تقاريرها، فإن الواقع الملموس للعديد من المشاريع يروي قصة مختلفة تماماً، تتسم بالتأخر، والعيوب التقنية، وغياب الرؤية الاستراتيجية.

1. الوجه الآخر لـ “الإنجاز”: مشاريع تحت مجهر الانتقاد

الرصد الميداني والتقارير التي يتداولها المواطنون والفاعلون المحليون تسلط الضوء على تدهور جودة مجموعة من المشاريع الحيوية والمهيكلة، ما يدفع إلى التساؤل عن آليات المراقبة والافتحاص المعتمدة من قبل الوكالة وإدارة المشاريع:

أ. الجودة المشبوهة في البنية التحتية الطرقية

من أبرز الأمثلة المثيرة للقلق هي حالة الطريق 320 الرابطة بين مدارة مرجان (طريق إيموزار) في اتجاه مدارة المركب الرياضي بطريق صفرو وصولاً إلى السد التلي في اتجاه سيدي أحرازم. هذه الطريق، التي تكتسي أهمية قصوى لربط مطار فاس سايس بمحاور المدينة الرئيسية وتحضيراً لتظاهرات قارية مرتقبة، تعاني من عيوب تقنية واضحة في تعبيدها وإعادة تأهيلها. إن السير على أجزاء منها يوحي بأن الإسفلت لم يتم وضعه بالشكل السليم، مع وجود منخفضات وتعرجات غير طبيعية تجعلها تبدو كطريق غير منجز، مما يثير شكوكاً عميقة حول مدى احترام دفتر التحملات الفني والتقني المتفق عليه. إن مثل هذه الاختلالات في الطرق الاستراتيجية تؤكد ضرورة فتح تحقيق تقني معمق لتحديد أسباب هذا التدهور السريع لجودة الأشغال.

ب. البنى الرياضية: من العشب “عالي الجودة” إلى “الزرابي البلاستيكية”

تُعد مشاريع ملاعب القرب ركيزة أساسية في برنامج تقليص الفوارق الاجتماعية. غير أن تنفيذها في الجهة عرف انتقادات حادة، حيث يتحدث المتتبعون عن استبدال العشب الاصطناعي عالي الجودة المتفق عليه بـ مفروشات بلاستيكية رقيقة وسرعان ما تدهورت، ما دفع الشباب والأطفال للعب على أرض شبه قاحلة. هذا التهاون في جودة التجهيزات الرياضية يسقط مبدأ تكافؤ الفرص ويحرم شباب الجهة من بنية تحتية لائقة، وهو ما يستدعي تدقيقاً في نوعية المواد المستخدمة ومطابقتها للمعايير المتفق عليها.

ج. سجل حافل بالتعثرات

لا تقتصر الانتقادات على الطرق والملاعب، بل تشمل مشاريع أخرى مُعلنة لكنها متعثرة أو تسير ببطء شديد، مما يؤدي إلى تجميد ملايين الدراهم دون تحقيق المنفعة المرجوة:

  • مغارة فيرواطو والمسبح البلدي بتازة.
  • اختلالات المنطقة الصناعية عين البيضا.
  • عيوب في إنجاز أشغال بغابة عين الشقف التابعة لجماعة عين الشقف بإقليم مولاي يعقوب ومنتجع عين فيتال بإيفران.

هذا التعثر المتكرر يضع علامات استفهام حول كفاءة التخطيط، ودقة دراسات الجدوى، والقدرة على تتبع المقاولات المشرفة على الإنجاز.

د. التحدي الأكبر: ما خفي أعظم في “العالم القروي” 

إذا كانت مشاريع المدن، كطريق 320 التي يعبرها الآلاف يومياً، والملاعب المركزية التي يسهل على المواطنين والإعلام رصد اختلالاتها وتوثيقها بالفيديو، تشهد هذا القدر من الهشاشة التقنية وسوء التنفيذ، فما هو حال برامج فك العزلة المخصصة للعالم القروي؟

إن برامج تأهيل الطرق والمسالك القروية، وتشييد المنشآت الرياضية والاجتماعية في الدواوير والمناطق البعيدة، تُنفذ بمعزل عن أعين الرأي العام والإعلام الرقابي. الأوراش المفتوحة في القرى النائية توفر “منطقة ظل” مثالية تسمح بتمرير مقاولات لا تلتزم بالجودة، وتسهل استخدام مواد أقل كفاءة، دون خشية من الرصد أو المساءلة السريعة. فإذا كان الإسفلت في عاصمة الجهة متدنياً لهذه الدرجة، فكيف ستكون جودة الطرق التي من المفترض أن تخدم الساكنة المحتاجة في أعالي الجبال والبوادي؟ هذا التباين في الرقابة يخلق خطرين مزدوجين: هدر مضاعف للمال العام وحرمان الفئات الأشد احتياجاً من حقها في بنية تحتية صلبة وخدمات ذات جودة، وهو ما يضع الأولوية الملكية لتقليص الفوارق على المحك.

2. الحكامة واللغة: إقصاء مبدأ الشفافية الدستورية

في سياق الحكامة الجيدة، يُلاحظ أن الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع تبدي توجهاً إدارياً أحادي اللغة، حيث تُدار العديد من مراسلاتها ووثائقها وتُصمم واجهات التواصل الخاصة بها وهي منعدمة (بما في ذلك موقعها المؤسساتي وصفحاتها) باللغة الفرنسية بشكل غالب، في تجاهل واضح للمكانة الدستورية للغة العربية كلغة رسمية للمملكة.

هذا التوجه يُعتبر انفصالاً إدارياً عن السياق الوطني والجهوي، ويُنشئ حاجزاً أمام الفهم والمتابعة من قبل شريحة واسعة من المنتخبين الجهويين والمحليين الذين لا يتقنون الفرنسية، وكذلك عموم المواطنين الذين من حقهم الاطلاع على الشؤون العمومية بلغتهم الرسمية. إن هذا “التعالي اللغوي” أو “الفرنسة المفرطة” يطرح أسئلة حول:

  • مدى احترام الدستور ومبادئ التواصل الإداري العمومي.
  • شفافية اتخاذ القرار أمام المنتخبين، حيث قد يُصادَق على وثائق وتقارير فنية معقدة دون الفهم الكامل لمضامينها من قبل الجميع.

هذه النقطة تُعزز الانطباع بأن الوكالة تعمل بعقلية منفصلة عن الإدارة العمومية الوطنية، وكأنها تتبنى “قانون الأهواء” في تدبيرها اللغوي والعملي، بدلاً من الالتزام بمبادئ دولة القانون والشفافية.

3. تدبير المليارات والبحث عن الرؤية الاستراتيجية

صادق مجلس الجهة مؤخراً على مبلغ إضافي يقدر بـ 1.3 مليار درهم في أفق برنامج فك العزلة عن العالم القروي بالأقاليم التسعة التابعة للجهة  (في أفق 2025 و2026). هذا التدفق الهائل للميزانية يستلزم إعادة تقييم شاملة لأداء الوكالة والمدير الذي يشرف على هذا الملف:

  • غياب الاستراتيجية الشاملة: إن كثرة المشاريع المتعثرة والمتدنية الجودة، رغم حجم الإنفاق، يشير إلى غياب رؤية استراتيجية واضحة تضمن الانسجام بين المشاريع وتمنع تشتيت المال العام. المشاريع تبدو وكأنها تُوزع دون تخطيط عميق يربطها بالاحتياجات الحقيقية للجهة في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والماء الصالح للشرب، والتي لا تزال القرى فيها تعاني من طرقات مهترئة وغياب الخدمات الأساسية.
  • تساؤلات حول الكفاءة الإدارية: إن التقرير السنوي للوكالة والمصادقة على القوائم المحاسبية (حتى 2026) والإعلان عن نسب إنجاز عالية غير الواقع هناك تاخر في عدة أوراش و انها تعيش على وقع إختلالات وهنا يطرح التساؤل أليس من حق المفتشية العامة لوزارة الداخلية و المجلس العلى للحسابات النزول لتدقيق في مشاريع الوكالة، و هذه الإنجازات يجب أن يقابلها جودة حقيقية على الأرض. هذا التباين بين الأرقام المعلنة والواقع الملموس يوجب إخضاع الوكالة لتدقيق معمق ومستقل.

 دعوة لفتح “ملف الاختلالات المنهجية”

لم يعد الأمر يقتصر على مجرد “تأخر” في الإنجاز، بل يتعلق باختلالات منهجية في تدبير المال العام وضمان الجودة، تضع أهداف التنمية الجهوية على المحك. في ظل حجم الميزانيات المخصصة، والمصادقة على برامج مستقبلية ضخمة، أصبح من الضروري:

  1. تدخل عاجل من المفتشية العامة لوزارة الداخلية والمجلس الأعلى للحسابات لإجراء افتحاص شامل وشفاف لجميع مراحل تنفيذ المشاريع، والتركيز على الجودة التقنية ومطابقتها لدفاتر التحملات.
  2. المطالبة بتوضيح علني من الوكالة بخصوص أسباب تدهور جودة المشاريع الرئيسية، ووضع آليات رقابة أكثر فعالية وتجرداً.
  3. تغيير النمط الإداري السائد داخل الوكالة، و الدفع بإنهاء مهام مدير الوكالة الذي يتقن فقط سياسة التعالي و الإنغلاق على نفسه و كا،ه يشتغل داخل مزرعته الخاصة و ليس ضمن إختصاصات المشاريع العمومية التي يصرف عليها المال العام،و بات من المنطقي ضمان شفافية التواصل واعتماد اللغات الرسمية للمملكة، بما يضمن اطلاع المنتخبين والمواطنين على حقيقة ما يُنجز.

إن جهة فاس مكناس تستنزف المال العام بمشاريع يغيب عنها الضمير المهني والجودة، ومن حق ساكنتها أن ترى المليارات تتحول إلى تنمية مستدامة بدلاً من “زرابي بلاستيكية” وطرق متهالكة. آن الأوان لفتح ملف هذه الاختلالات المنهجية وتحميل المسؤولية كاملة للمدبرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى