ملف الأحد | المغرب والجزائر: صراع رؤيتين… دولة تبني المستقبل ونظام يهرب من أزماته إلى وهم العداء

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
ليست العلاقات المغربية-الجزائرية مجرد أزمة دبلوماسية عابرة، ولا خلافًا سياسيًا يمكن احتواؤه ببيان حسن نوايا أو وساطة إقليمية. ما يجري اليوم بين البلدين هو تعبير عن تصادم عميق بين نموذجين متناقضين في فهم الدولة، والشرعية، والمستقبل. نموذج اختار الاستثمار في الاستقرار والتنمية وبناء القوة الهادئة، ونموذج آخر ما يزال أسير ذهنية ما بعد الاستعمار، حيث يُصنع العدو الخارجي لتعويض الفشل الداخلي.
منذ استقلال الجزائر، لم ينجح النظام الحاكم في التحرر من إرث الاستعمار الفرنسي على مستوى العقل السياسي، رغم خطابه المتشدد ضده. فالدولة التي ورثت جهازًا أمنيًا-عسكريًا قويًا، جعلت منه مركز القرار، وأقامت شرعيتها على “التحرر” لا على الإنجاز، وعلى “العداء” لا على المشروع. وفي هذا السياق، لم يكن المغرب جارًا طبيعيًا، بل تحوّل تدريجيًا إلى مرآة مزعجة تعكس ما لم تستطع الجزائر أن تكونه.
اليد الممدودة… خيار استراتيجي لا ضعف دبلوماسي
على الضفة الأخرى، اختار المغرب، منذ عقود، مقاربة مختلفة في تدبير علاقاته الإقليمية. فالدبلوماسية المغربية، وخاصة في عهد الملك محمد السادس، لم تُبنَ على منطق التصعيد أو الرد بالمثل، بل على الصبر الاستراتيجي، وتراكم المكاسب، وتفادي الانجرار إلى معارك جانبية.
الدعوات المتكررة لفتح الحدود، وإعادة العلاقات، وبناء اتحاد مغاربي فعلي، لم تكن مجرد شعارات، بل تعبير عن قناعة دولة بأن الاستقرار الإقليمي يخدم الجميع. غير أن قصر المرادية قرأ هذه اليد الممدودة قراءة خاطئة، واعتبرها إما مناورة ظرفية أو ضعفًا سياسيًا، لأن العقلية التي تحكمه لا تزال ترى العالم بمنطق الصراع الصفري: إما غالب أو مغلوب.
جنرالات المرادية… حين تتحكم المؤسسة العسكرية في البوصلة
لفهم السلوك الجزائري، لا بد من العودة إلى بنية السلطة نفسها. فالجزائر ليست دولة مدنية بجيش، بل جيش له دولة. المؤسسة العسكرية ليست فاعلًا من ضمن فاعلين، بل هي العمود الفقري للنظام، وصاحبة القرار في الملفات السيادية الكبرى، وعلى رأسها السياسة الخارجية.
هذا الواقع يفسر لماذا تتخذ الجزائر مواقف عدائية حتى عندما لا تخدم مصالحها الاقتصادية أو الإقليمية. فالتصعيد مع المغرب ليس قرارًا دبلوماسيًا عقلانيًا، بل أداة ضبط داخلي، تُستعمل لتوحيد الصف، وقمع الأسئلة الاجتماعية، وتبرير استمرار الحكم العسكري غير المعلن.
كلما اشتدت الأزمات الداخلية – من بطالة، وتضخم، واحتقان اجتماعي – عاد خطاب “المؤامرة الخارجية” إلى الواجهة، وكان المغرب دائمًا الهدف الأسهل.
جريمة الحدود… حين يتحول الاستفزاز إلى خطر مفتوح
في هذا السياق، لا يمكن التعامل مع حادث قتل ثلاثة مغاربة رمياً بالرصاص كواقعة معزولة. ما حدث على الحدود ليس خطأ تقدير ميدانيًا، بل فعل سياسي محسوب، يحمل رسالة تصعيد واضحة.
حتى في أسوأ السيناريوهات، وحتى لو ثبت تجاوز الضحايا للحدود، فإن القانون الدولي وقواعد الاشتباك تفرض الاعتقال والتحقيق، لا القتل المباشر. إطلاق النار على مدنيين عُزّل هو جريمة مكتملة الأركان، وانتهاك خطير لكل الأعراف، ويكشف استعداد بعض دوائر القرار في الجزائر للذهاب بعيدًا في سياسة حافة الهاوية.
الرسالة كانت واضحة: اختبار رد الفعل المغربي، ودفعه إلى انفعال قد يُستغل داخليًا. لكن المغرب، مرة أخرى، اختار الحكمة بدل الانجرار، لأن منطق الدولة لا يُبنى على ردود الفعل، بل على حسابات المآل.
غار جبيلات… الموارد حين تُدار بمنطق الخصومة
يمثل ملف غار جبيلات مثالًا آخر على منطق الاستفزاز بدل التعاون. فالمنطقة ذات طابع جغرافي-اقتصادي حساس، وكان يمكن أن تتحول إلى نموذج للتكامل المغاربي، لو وُجدت إرادة سياسية حقيقية.
غير أن السلطة الجزائرية اختارت التعاطي مع الملف بمنطق فرض الأمر الواقع، في تجاهل لكل الخلفيات التاريخية والاعتبارات المشتركة، وكأن الهدف ليس الاستثمار في التنمية، بل توجيه رسالة سياسية للمغرب. هذا السلوك لا يعكس ثقة، بل قلقًا من التفوق المغربي المتنامي في مجالات الاقتصاد، والبنية التحتية، وجذب الشراكات الدولية.
من إغلاق الحدود إلى الحروب الإلكترونية
لم تكتفِ الجزائر بالتصعيد السياسي والأمني، بل ذهبت إلى خطوات أحادية متتالية:
إغلاق الحدود البرية، إغلاق المجال الجوي، تعطيل أي نفس مغاربي، ومحاولات متكررة للتشويش على تنظيم المغرب لكأس إفريقيا، وصولًا إلى حروب إلكترونية وإعلامية تعتمد الأخبار الزائفة، وتضليل الرأي العام.
لكن هذه السياسات لم تُضعف المغرب، بل عمّقت عزلة الجزائر، وأظهرتها كدولة تُدير خلافاتها بالقطيعة لا بالشراكة، وبالمنع لا بالتفاوض.
أزمة داخلية مكتومة… وصراع أجنحة
في العمق، يعيش النظام الجزائري على وقع صراعات داخلية حادة بين مراكز النفوذ. العلاقة بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية ليست مستقرة، وهناك مؤشرات متكررة على إعادة ترتيب داخلية قسرية، ومحاولات لتحجيم أدوار، وتصفية حسابات.
هذه الصراعات، التي لا تظهر للعلن، تفسر التوتر الخارجي. فكل نظام مأزوم داخليًا يبحث عن تنفيس خارجي، والمغرب، بحكم الاستقرار والنجاح النسبي، يتحول إلى هدف نفسي وسياسي.
مغرب يبني… وجار يقارن
في المقابل، يواصل المغرب مساره بثبات. أوراش بنية تحتية كبرى، موانئ، طرق سيارة، قطارات فائقة السرعة، واستعدادات لتنظيم كأس إفريقيا وكأنها كأس عالم، بمعايير دولية، ورؤية تتجاوز الحدث إلى ما بعده.
حتى في لحظات الكوارث الطبيعية، واجه المغرب فيضاناته بإمكاناته الذاتية، دون استجداء أو استعراض. المروحيات سُخرت للإنقاذ، والسلطات نزلت إلى الميدان، بينما أظهرت مشاهد من الجزائر تعاملًا أمنيًا قاسيًا مع منكوبين طالبوا بحقوقهم. هنا يتجلى الفرق بين دولة تعتبر المواطن جزءًا من الحل، ونظام يراه خطرًا محتملاً.
الصحراء المغربية… العقدة التي حُسمت
يبقى ملف الصحراء المغربية هو الجرح المفتوح في الحسابات الجزائرية. فاليوم، لم يعد النقاش حول السيادة مطروحًا كما في السابق. المنتظم الدولي، والقوى الكبرى، اختارت مقترح الحكم الذاتي المغربي كحل واقعي وجدي.
هذا التحول أفقد الجزائر ورقة مركزية، وجعل خطابها يبدو متجاوزًا، لا ينسجم مع التحولات الجيوسياسية الراهنة. وما تبقى هو ضجيج دبلوماسي لا يغير مسار التاريخ.
اختبار الزمن
ما يجري بين المغرب والجزائر ليس صراع حدود، بل صراع زمن:
زمن دولة قررت أن تبني وتتحمل كلفة الصبر، وزمن نظام يعتقد أن بإمكانه تأجيل الانفجار الداخلي بتأجيج الخارج.
لكن التاريخ لا يرحم. والمستقبل لا يُدار بالشعارات ولا بالعداء المفتعل.
المغرب، بثقة شعبه، وقوة مؤسساته، ورؤية ملكه، يمضي إلى الأمام.
أما الجزائر، فإن لم تُراجع خياراتها، ستجد نفسها أمام لحظة حتمية لا ينفع معها تصدير الأزمات ولا افتعال الخصومات.
القادم للمغرب مسار استكمال… وللجزائر لحظة مواجهة الذات.






