مقال تحليلي: من “الزروالي” إلى “آيت الطالب”.. إرث الملفات الحارقة وخارطة طريق “العمل الميداني” لإنقاذ فاس

شهدت العاصمة العلمية، فاس، خلال الأسابيع الأخيرة، دينامية غير مسبوقة بقيادة الوالي بالنيابة، خالد الزروالي، وعامل عمالة فاس. الزروالي، الذي أوفدته وزارة الداخلية أصلاً لتدبير الجانب الأمني الحساس في أعقاب ما سُمّي بـ “حراك جيل زيد”، وجد نفسه أمام منظومة من الملفات والقضايا الحارقة التي تتخبط فيها المدينة منذ عقود، وتكشف عن جمود بنيوي ومعضلة في تدبير الشأن العام المحلي.
الزروالي: استراتيجية العمل الميداني وتقارير “الواقع الأسود”
بخبرته الكبيرة كمدير مركزي بوزارة الداخلية، خاصة في مديرية الهجرة ومراقبة الحدود والتراب الوطني، لم يعتمد الوالي بالنيابة خالد الزروالي على تقارير المكتب، بل فعل استراتيجية العمل الميداني المباشر. وقد مكنته حنكته من اختراق حواجز “البروتوكول الإداري” وزار مناطق شعبية وهامشية، بما في ذلك أحياء بمقاطعة جنان الورد و سايس و بنسودة و المرنيين لم يستطع أي والٍ سابق زيارتها أو تفقدها.
لقد كشفت هذه الزيارات عن ثلاثة ملفات رئيسية تتطلب تدخلاً عاجلاً:
- كارثة المطرح البيئي: زيارة مطرح النفايات كشفت عن حجم “العشوائية” في التدبير، والمسببة للروائح الكريهة التي تخنق سماء المدينة. وقد أسفرت تعليماته الحاسمة عن تحرك فوري للمجلس الجماعي لإدراج نقطة تتعلق بإحداث أحواض لطمر النفايات واعتماد تقنية الرش للحد من التلوث.
- واجهات المدينة المسيئة: الوقوف على حالة الإهمال حول المطار الدولي فاس – سايس وكورنيش مدخل الطريق السيار، وهما مدخلان استراتيجيان يقدّمان صورة مسيئة عن المدينة. الزروالي أعطى تعليمات صارمة لإعادة التهيئة وإنقاذ المساحات الخضراء.
- إهمال الأحياء الهامشية: عاين الوالي بالنيابة حجم الإهمال والتهميش في الأحياء الشعبية ذات الكثافة السكانية الكبيرة المحيطة بوسط المدينة، مما سيمكن من تجويد أي برامج لفك العزلة عنها.
- الوقوف على إختلالات قطاع النظافة و توجيه توبيخ الى شركات التدبير المفوض.
- مواكبة عملية تأهيل مدينة فاس و التنسيق الميداني مع شركة فاس للتهيئة ،و مطالبة المقاولات بتنزيل جودة الأشغال و تسريع مختلف الأوراش و إنهائها قبيل إنطلاق التظاهرة الإفريقية في كرة القدم.
- الزروالي، بوضوح، لم يكن مجرد مُدبّر مؤقت؛ بل عمل على رفع تقارير “سوداء” ومفصلة إلى وزارة الداخلية، تحدد بدقة ما يقع في فاس وما تتطلبه المدينة من إصلاحات جذرية. وبذلك، يكون قد وضع خارطة طريق واضحة ومُضيئة بالمشاكل أمام الوالي الجديد.
الوالي الجديد خالد آيت الطالب: مهام الإدارة الترابية تتطلب “القطع مع الممارسات السائدة”
يترقب أن يباشر الوالي الجديد، خالد الطالب، مهامه بعد تعيينه في مجلس الوزراء الأخير. آيت الطالب معروف بخلفيته الوزارية في الصحة وبـ “حركيته الميدانية” وعدم تفضيله للاشتغال من دهاليز الولاية المغلقة. ولكن، مهمته في فاس ستكون أشد تعقيداً من تدبير قطاع الصحة، حيث يتطلب دوره الجديد كـ رجل إدارة ترابية حنكة وصرامة.
آيت الطالب مطالب بـ “قطع دابر” عدة ممارسات كانت سائدة في عهد أسلافه، وخاصة الوالي السابق الذي تم إعفاؤه، معاذ الجامعي. فالإدارة الترابية في فاس تحتاج إلى تنقية للميدان من الشوائب التي تعيق أي إصلاح، وأبرزها:
- شبكات المصالح وجمعيات التزلف: يجب على الوالي الجديد أن يبتعد عن الشخصيات التي تتصيد أي مسؤول قادم، وتقدم نفسها على أنها تمتلك “المفتاح السحري لفاس”. هؤلاء “مسامير الميدة” لا يمتلكون سوى صالات ومخمليات بعيدة عن هموم الساكنة.
- الإبتعاد عن الوسطاء بكل تلاوينهم فرجل الإدارة الترابية يجب ان يكون هو كذلك،فالدولة تبني أمجادها بالعمل الميداني النزيه و ليس في صالات الرياضة و نوادي التدليك و موائد الأضواء الحمراء،فأخطر ما سيواجهه ايت طالب هو التزلف و “التطبال” الجمعوي وهو ما سيهدد عمله كوالي.
- المنعشون العقاريون والوسطاء: ضرورة الإفلات من قبضة شبكات المنعشين العقاريين التي تسعى لتحقيق مصالحها على حساب التخطيط الحضري المستدام.
- تجنب “شخصيات الوالي المعفى من مهامه”: على الوالي آيت الطالب، والمعروف بعمله وحنكته، أن يشتغل بعقلية رجل الإدارة الترابية المحترف، وأن يضع مسافة واضحة بينه وبين أي شخصيات تحاول استغلال علاقتها به عندما كان مديراً في المستشفى الجامعي الحسن الثاني.
- فأيت طالب الذي فكك شفرات فاشية كورونا و أنقذ البلاد و العباد يبدو أنه سيكون الرجل المناسب في المكان المناسب لإخراج فاس العالمة من براثين مخلفات المنتخبين و الذين حولوا المدينة لسنوات الى أحزمة فقر و بؤس إجتماعي قابل للإنفجار في أي لحظة.
إن الرجل مطالب بـ الاشتغال مع الأحزاب بإنصاف ووضع مسافة متساوية و بعيدة مع الجميع. فالمشكلة الكبرى التي سيواجهها هي الضعف الواضح للهيئات المنتخبة التي تزيد في عرقلة إنقاذ فاس وتعيق البرامج الناجعة. الوالي الجديد يواجه ملفات حارقة ووضعاً اجتماعياً متشابكاً، لكن حنكته ستساعده على تحليل نسق نظم المعلومات في المدينة بإرادة وعقلية جديدة لإعادة فاس إلى مسارها الصحيح.






