سياسة

ماء الشرب في آخر اللائحة.. جهة فاس-مكناس تُدرج ملف العطش مضطرة بعد تصاعد الاحتجاجات

في وقت تتسع فيه رقعة الاحتجاجات بعدد من أقاليم جهة فاس-مكناس بسبب تفاقم أزمة العطش وغياب مياه الشرب، لم يجد مجلس الجهة مخرجًا سوى إدراج ملف الماء في دورة يوليوز 2025، في خطوة جاءت متأخرة، مفروضة لا نابعة من مسؤولية أو حس استباقي، بل تحت ضغط مركزي من وزارة الداخلية، التي رأت في الوضع مؤشرات “حالة طوارئ مائية” تهدد السلم الاجتماعي بالعالم القروي.

ما كشفته وثائق الدورة المقبلة من  نقطة تم إضافتها في الوقت الضائع ،و تم إدراج طلب قرض من صندوق التجهيز الجماعي لتمويل اتفاقية شراكة في مجال الماء، لا يُقرأ إلا باعتباره تحركًا اضطراريًا تحت الإكراه، لا يدخل ضمن رؤية استراتيجية ممنهجة، بل مجرد رد فعل تحت ضغط الشارع، وفي لحظة انفجار صبر الساكنة على العطش المتواصل.

المثير في هذا المشهد أن جهة فاس-مكناس تتوفر على فائض مالي مهم كما كشفت برمجة الفائض لسنة 2024، ومع ذلك اختارت أن تتجاهل لسنوات أزمة الماء التي كانت تكبر بصمت، وفضّلت أن تضع أولوياتها في اتجاهات أخرى، بعضها شديد الغرابة، كشراء أكثر من 120 حافلة للنقل المدرسي، وعقد شراكات ضخمة لإنشاء مناطق صناعية، والإنفاق بسخاء على تجهيزات ومشاريع لا علاقة لها بالحاجات الحيوية للمواطنين. في المقابل، تم إهمال أبسط الحقوق، وأهمها على الإطلاق: الحق في الماء.

المصادر تؤكد أن إدراج ملف الماء في اللحظات الأخيرة تم بإلحاح مركزي وليس بقرار داخلي، وهو ما يكشف غياب أي تخطيط مسبق لمواجهة واحدة من أخطر الأزمات التي تهدد حياة سكان قرى تازة وتاونات ومولاي يعقوب وصفرو وميسور، بل وتهدد الاستقرار العام في الجهة. فمجلس لا يتحرك إلا بالتوجيه، ولا يبرمج إلا ما يُملى عليه، هو مجلس فقد صلته بالواقع الميداني.

اجتماع يوم الخميس 26 يونيو 2025 التحضيري للدورة، كان مناسبة أخرى تكشف هذا العمى السياسي والإداري، إذ لم يكن ملف الماء مطروحًا للنقاش من الأصل، بل انصب الاهتمام على مشاريع طرقية، وإنشاء قناطر، وتطوير مداخل صناعية، وهو ما يوضح بما لا يدع مجالاً للشك أن منطق المجلس لا يزال قائمًا على “تنمية على المقاس”، تخدم مصالح محددة، ولا تعير أي اهتمام للأولويات الاجتماعية الملحة.

ومما يزيد الطين بلة أن مجلس الجهة كان حاضرًا في المناظرة الوطنية الثانية حول الجهوية المتقدمة بطنجة في دجنبر 2024، ووقّع كباقي رؤساء الجهات على اتفاقيات ضخمة من بينها اتفاقيات الماء، التي كان الهدف منها تنزيل البرنامج الوطني للماء الشروب والسقي 2020-2027. لكن ماذا فعل مجلس الجهة بعدها؟ لا شيء سوى تخزين تلك الوثائق في الأرشيف، وكأن الماء لا يعنيه، أو أن ساكنة الجهة لا تستحق أن تُعامل كباقي الجهات التي بادرت إلى التنفيذ الميداني للمشاريع.

الساكنة تتساءل اليوم: لماذا لم تخصص الجهة شاحنات بصهاريج متنقلة منذ سنة أو سنتين؟ لماذا لم تطلق برنامجًا استعجاليًا لتزويد الدواوير المنكوبة بالماء؟ لماذا ظل المسؤولون يتحدثون عن تقييم برامج التنمية الجهوية، والمواطنون لا يجدون قطرة ماء في صنابيرهم، ويقفون في طوابير مهينة أمام خزانات متنقلة تأتي مرة كل أسبوعين أو تغيب للأبد؟

والأدهى أن نفس المجلس الذي يتأخر في توفير الماء، يتقن فن تلميع الصورة بتنظيم معارض المنتجات المجالية، في وقت يمر فيه المغرب من سبع سنوات جفاف متتالية، وتنهار فيه الفلاحة، وتجف فيه الحقول والآبار، وتختفي فيه الثروات المائية. عن أي منتج مجالي يتحدث المجلس؟ وعن أي تسويق؟ وهل توجد فلاحة تُعرض عندما يكون الماء مقطوعًا من أصله؟

مجلس الجهة اليوم يُمارس السياسة من وراء المكاتب، ويتعامل مع أزمات المواطن وكأنها مجرد سطور في جدول أعمال. مجلس يُغدق على مناطق صناعية مستقبلية ولا يُفكر في شربة ماء آنية. مجلس لم يتبق له سوى سنتين من الولاية، ومع ذلك لا يزال يعيش على وهم المشاريع الضخمة، ناسيا أن العطش لا ينتظر، والجفاف لا يرحم، والساكنة لم تعد تثق في الكلام المنمق ولا في الوعود المؤجلة.

إن أزمة الماء ليست حالة طارئة، بل نتيجة طبيعية لتقاعس ممنهج، ومجلس الجهة يتحمل المسؤولية الكاملة، لا لأنه لم يستطع، بل لأنه لم يشأ. وإدراج ملف الماء الآن لا يُحسب له، بل يُدين أداءه، ويكشف أن القرار ليس في فاس، بل في الرباط، وأن العطش وحده هو من أرغمهم على التحرك خوفا من حراك إجتماعي بعد أن جفّت السواقي وامتلأت السواقي بالطاوابير و البراميل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى