كارثة صامتة بجهة فاس مكناس: الترامي على الملك الغابوي بين “ريع الفيلات” و”هيمنة الكيف”.. أين دور مندوبية المياه والغابات؟

تشهد جهة فاس مكناس، و أقاليمه المعروفة بتضاريسه الوعرة وموطنه التاريخي لزراعة القنب الهندي (الكيف)، ظاهرة مقلقة ومستمرة للترامي على الملك الغابوي للدولة. هذه التعديات لم تعد مقتصرة على الاستغلال الفلاحي غير المشروع المرتبط بالكيف فحسب، بل اتخذت بعداً أخطر يتمثل في “ريع البناء”، حيث يعمد نافذون وشخصيات سياسية إلى تشييد فيلات ومنازل عملاقة على أراضٍ غابوية محمية، في تحدٍ صارخ للقانون ومبادئ الحكامة الرشيدة.
إن هذا الوضع يطرح أسئلة وجودية حول سيادة القانون على الملك العام، ويضع مندوبية المياه والغابات ومكافحة التصحر في قفص الاتهام.
1. الترامي المزدوج: من خيام الكيف إلى قصور الريع
يواجه الملك الغابوي في الجهة نوعين من التعدي يهددان التوازن البيئي والاقتصادي للمنطقة:
-
زحف زراعة الكيف: لطالما شكلت زراعة القنب الهندي عبئاً ثقيلاً على الأراضي الغابوية، حيث يتم اقتلاع الغطاء النباتي وإزالة الأشجار لتهيئ الأرض للزراعة غير المشروعة. هذا التعدي، المرتبط بمصادر دخل غير نظامية، يتم عادةً بعلم ومباركة ضمنية من شبكات نافذة تستفيد من عائدات هذه الزراعة.
-
ريع الفيلات المشبوهة: التطور الأخطر هو لجوء شخصيات سياسية ونافذة إلى استغلال نفوذها لـ الترامي على مساحات شاسعة من الملك الغابوي لبناء إقامات فاخرة وفيلات عملاقة. هذه المباني تقف كشاهد على تجاوز القانون، حيث أن الأصل في الملك الغابوي للدولة هو عدم التفويت وعدم القابلية للتملك الخاص. إن أي بناء دائم عليها يشكل خرقاً للقانون المتعلق بتدبير الملك الغابوي.
التملك والملكية: إن الإجابة القانونية واضحة: هذه الشخصيات لا تملك هذه الأراضي الغابوية. أي وثائق حيازة أو تمليك مفترضة على ملك غابوي هي وثائق باطلة وغير شرعية، وتستند على وثائق مجهولة، مما يحول القضية من مجرد تعدٍّ على الملك العام إلى شبهة الترامي.
2. أين مندوبية المياه والغابات؟
تُعد مندوبية المياه والغابات هي الحارس القانوني والأول للملك الغابوي. إن استمرار التعديات وتشييد الفيلات بشكل علني على أراضيها، يضع عمل هذه المندوبية موضع شك كبير:
-
فشل المراقبة: إذا كانت عمليات الترامي، خاصة تلك المتعلقة بـ “الفيلات العملاقة”، تتم بمرأى ومسمع، فهذا يشير إلى فشل ذريع في أداء مهام المراقبة والتحرير الفوري للمخالفات.
-
شبهة التغاضي: الأدهى هو احتمال وجود تغاضٍ متعمد من بعض المسؤولين المحليين في المندوبية، حيث إن صمتها إزاء أعمال البناء الكبرى التي تتطلب تصاريح إدارية وهندسية، يثير شبهة التواطؤ مع النافذين الذين يعتقدون أن نفوذهم فوق القانون.
-
الاستنزاف البيئي: إن التغاضي عن التعدي على الغابات في منطقة تاونات التي تعتبر متنفساً بيئياً ومخزوناً مائياً، يضرب بعرض الحائط كل الجهود الوطنية والدولية لمكافحة التصحر والحفاظ على الموارد الطبيعية.
3. المطلب الفوري: تدخل السلطات وفتح تحقيق قضائي شامل
إن حجم التعديات وتورط أطراف نافذة يفترض أنهم ضامنون للقانون، يحتم تدخلاً فورياً وحاسماً من قبل السلطات المحلية و القضائية:
-
الدور الفعال للنيابة العامة: يجب على السلطات القضائية، وعلى رأسها النيابة العامة، أن تفتح أبحاثاً معمقة وشاملة حول عملية الترامي المفترضة. هذا التحقيق يجب أن يشمل:
-
تحديد هوية المتورطين: الكشف عن أسماء النافذين والسياسيين الذين شيدوا هذه الفيلات على الملك الغابوي.
-
مساءلة المتواطئين: التحقيق مع مسؤولي الإدارة الترابية ومندوبية المياه والغابات الذين سمحوا بهذه التعديات أو تغاضوا عنها.
-
ملاحقة مزارعي الكيف: تفعيل الرقابة المشددة لمكافحة التوسع غير المشروع لزراعة القنب الهندي على حساب الأراضي الغابوية.
-
-
هدم المباني المخالفة: يجب تطبيق القانون بصرامة عبر إصدار أوامر الهدم الفوري لجميع البنايات المشيدة بشكل غير قانوني على الملك الغابوي، دون تمييز أو اعتبار للمناصب والنفوذ، لبعث رسالة قوية حول سيادة القانون.
إن ملف الترامي على الملك الغابوي في الجهة، يمثل اختباراً حقيقياً لمبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” في مواجهة نفوذ الريع. لا يمكن السماح بتحويل الأراضي العمومية إلى عقارات خاصة لمن يمتلكون سلطة سياسية أو مالية، بينما يظل الفقراء وحدهم عرضة للقانون.






