فاس والمسرح الكبير: مشروع ثقافي «يتعثّر» والساكنة تنتظر التدخل والإجابة

في قلب العاصمة العلمية مدينة فاس، يظل مشروع المسرح الكبير معيارًا صارخًا على تراجع تنفيذ المشاريع الثقافية الحيوية، حيث يكشف تأخُّر إنجاز الشطر الثاني وغياب الشفافية عن ضعف التخطيط والمتابعة، وسط مطالب شعبية واضحة لتدخل الجهات المعنية ، من أجل كسر الجمود والإسراع بالتنزيل.
المسرح الكبير: مشروع طموح… وتأخر مستمر
يندرج المسرح الكبير بفاس ضمن المشاريع الكبرى التي تم الإعلان عنها منذ سنوات، بهدف إحياء الحركة الثقافية والفنية في المدينة وإعطاء دفعة نوعية لعروض المسرح والفنون، ولم يكن مجرد منشأة، بل قطبًا ثقافيًا يمتد على مساحة 1.6 هكتار بطاقة استيعابية تصل إلى حوالي 1000 مقعد، ويتضمن مرافق استقبال، قاعة عرض رئيسية، فضاءات لورشات فنية، وساحات متعددة الاستخدامات.
كما تم في مراحل سابقة الإعلان عن شراكات تمويل بين وزارة الثقافة وجهة فاس مكناس وجماعة فاس وعمالة فاس لإطلاق المشروع، الذي تأرجح تقدير كلفته في مراحل متعددة (بين 64 مليون درهم وأكبر من ذلك ضمن قطعة ثقافية أكبر).
ما أنجز … وما تبقّى
رغم الإعلانات المتكررة وبداية العمل التي تم الحديث عنها منذ سنوات، إلا أن الشطر الأول من المشروع لا يزال في طور البناء أو لم يتم افتتاحه بالشكل المنتظر بعد، بينما الشطر الثاني لم يبدأ فعليًا، رغم رصد اعتمادات مالية إضافية تصل إلى نحو 68 مليون درهم لإنجاز الأعمال المتبقية وتمويل استكماله.
المثير أيضًا أن التسليم كان مقررًا في الأصل قبل نهاية سنة 2025، لكن التقدم الفعلي لا يزال أقل من المتوقع، وهو ما يُثير تساؤلات حول مدى احترام جدول دفتر التحملات، وإسناد الأشغال، ومتابعة الجودة، ويُبقي الموعد النهائي غير واضح للعموم.
دفتر التحملات … بين التوقعات والواقع
لم يتم نشر دفتر التحملات الكامل للمشروع في المنابر الرسمية، لكن ما أعلنته الجهات الرسمية سابقًا يشير إلى أن المشروع يهدف لإنشاء مسرح مع تجهيزات عصرية ومرافق متعددة الاستخدام لرفع مستوى العروض الفنية والمسرحية، وأنه يرتبط بتحسين البنيات الثقافية في فاس وجعلها في مستوى تطلعات ساكنتها.
إلا أن غياب توضيحات مُحدّثة حول تقدم الأشغال، والمواصفات التقنية، ومراحل الشطرين، ومساطر التمويل يجعل المواطن ينتظر كشفًا رسميًا يشرح أين وصل المشروع وأسباب تباطؤه، خاصة وأن المشروع تم الحديث عنه منذ سنوات طويلة دون تحقيق النتائج المنشودة.
موقع المشروع: هل يناسب مطالب ساكنة فاس؟
يقع مسرح فاس الكبير في موقع استراتيجي بين الحديقة النباتية وحي صناعي بالقرب من طريق مكناس، ما يبدو موقعًا مناسبًا من الناحية العمرانية ليخدم مختلف أحياء المدينة ويتمكن من استقطاب جمهور واسع.
مع ذلك، يشير البعض إلى أن تصميم المشروع ومدى اندماجه مع بيئة المدينة الثقافية والأحياء السكنية يتطلب تواصلًا أكبر مع المجتمع، وأخذ رأي الفنانين والشباب والمثقفين حول كيفية استغلال هذا الفضاء بشكل يضمن أثرًا اجتماعيًا وثقافيًا حقيقيًا.
النموذج معطّل: فاس بين مشاريع متعثّرة
المسرح الكبير ليس المشروع الوحيد الذي تثير تأخراته استياء السكان، حيث رافق تأخر إنجاز مشاريع ثقافية ورياضية أخرى في فاس خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت أمثلة مؤلمة تؤشر إلى ضعف التنفيذ وعدم الالتزام بالجدولة الزمنية لوثائق المشاريع والتزاماتها أمام المواطنين.
الكوادر التي ينتظرها الجمهور في كل مرة لم يتم تسليمها في موعدها، ما يطرح أسئلة حول آليات التخطيط، القدرة على تنفيذ المشاريع الكبرى، وفعالية متابعة دفتر التحملات، ومساطر التفتيش والتقييم.
مطالب شعبية بتدخل والي الجهة وسلطات الإشراف
وسط هذا الجمود، تطالب فعاليات المجتمع المدني وسكان مدينة فاس بـ تدخل عاجل من طرف والي الجهة خالد ايت طالب، من أجل:
-
فتح تحقيق شامل حول أسباب التأخر في تنفيذ الشطر الثاني من المشروع؛
-
الكشف عن موقع الأشغال الحقيقي والتعاقدات والدفاتر التقنية المتاحة؛
-
فتح النقاش مع الساكنة حول الجدولة الزمنية النهائية للإستفادة من المشروع؛
-
محاسبة كل جهة لم تلتزم بالمواعيد أو دفاتر التحملات؛
-
إشراك الفاعلين الثقافيين المحليين في استراتيجيات استغلال المسرح عندما يصبح جاهزًا.
هذه المطالب لا تنطلق من رفض للمشروع، بل من بحث شعبي حقيقي عن الشفافية والمساءلة، واستعادة الثقة بين المواطن ومشاريع التنمية الحضرية التي تحمل آمالًا كبيرة لسكان المدينة.
فرصة ضائعة يجب استعادتها
لا يختلف اثنان في أن مشروع المسرح الكبير بفاس يمثل فرصة عظيمة لتنشيط الحياة الثقافية في أحد أهم مراكز الإبداع بالمغرب، وأن طاقته الاستيعابية وتوزيعه العمراني يمكن أن يخدم فئات واسعة من المجتمع.
لكن التأخر المستمر وعدم وضوح الرؤية حول مساره الحقيقي يُضعف الأمل في أن تتحول هذه المنشأة قريبًا إلى فضاء حي يرفد الحياة الفنية في فاس، ما يجعل تدخل الجهات الرسمية، خاصة عامل الإقليم، ضروريًا لإعادة دينامية المشروع وتقديم إجابات واضحة للساكنة.






