ثقافة

طفولة على محكّ الجودة: تقرير رسمي يكشف اختلالات عميقة في التعليم الأولي رغم قفزة التعميم

كشف تقرير رسمي صادر عن الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي عن استمرار فوارق مجالية واجتماعية حادة تؤثر بشكل مباشر في المكتسبات التعلمية للأطفال، حيث لم يتجاوز المعدل العام لهذه المكتسبات 62 نقطة من أصل 100، في ظل هشاشة بيئات التعلم، وضعف ملحوظ في القراءة المبكرة، ومحدودية الممارسات البيداغوجية التفاعلية، إلى جانب تفاوتات واضحة في تأهيل وأجور المربيات والمربين. وهي معطيات تؤكد، بحسب التقرير، أن ورش التعليم الأولي، رغم ما حققه من مكاسب كمّية مهمة، ما يزال ورشا هيكليا غير مكتمل.

وفي هذا السياق، أوضح هشام آيت منصور، مدير الهيئة الوطنية للتقييم، خلال لقاء مع الصحافة ، أن التعليم الأولي بالمغرب عرف خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة تعكس توجها استراتيجيا للدولة نحو الاستثمار في السنوات المبكرة باعتبارها مدخلا أساسيا لتحقيق العدالة التعليمية وبناء رأس المال البشري.

وأشار آيت منصور إلى أن التقرير التقييمي الموسع، المنجز بشراكة بين الهيئة الوطنية للتقييم ومنظمة اليونيسف، يقدم تشخيصا دقيقا لواقع هذا الورش الوطني، اعتمادا على تحليل متعدد الأبعاد يشمل الولوج إلى التعليم الأولي، وجودة بيئات التعلم، وطبيعة الممارسات التربوية، ووضعية الموارد البشرية، إضافة إلى تقييم مكتسبات الأطفال في نهاية هذه المرحلة، مع مقارنتها بالتصورات الاستراتيجية والسياسات العمومية المعتمدة.

وينطلق التقرير من تشخيص بنيوي يضع التعليم الأولي ضمن سياق التحولات السياسية والمؤسساتية الكبرى التي عرفها المغرب، من الرؤية الاستراتيجية 2015–2030، والقانون الإطار 51.17، مرورا بالبرنامج الوطني لتعميم وتطوير التعليم الأولي لسنة 2018، وصولا إلى رهانات الجهوية المتقدمة وتوسيع أدوار الجماعات الترابية. ويؤكد التقييم أن المرحلة الراهنة لم تعد مجرد توسيع للعرض، بل تمثل انتقالا نحو لحظة مفصلية عنوانها الجمع بين التعميم والجودة.

وعلى مستوى التعميم، سجل التقرير تطورا لافتا في نسب الولوج خلال الفترة الممتدة بين 2015 و2025، حيث ارتفعت نسبة الأطفال في سن 4–5 سنوات المستفيدين من التعليم الأولي من 50.2% إلى 70.4%. ويبرز التحول بشكل أوضح في الوسط القروي، الذي انتقلت فيه نسبة التمدرس من 36.3% إلى 75.6%، متجاوزة لأول مرة الوسط الحضري الذي بلغ 66.8%. كما تحقق تقدم مهم في تكافؤ الفرص بين الجنسين، إذ بلغت نسبة الاستفادة 71.1% لدى الفتيات و69.8% لدى الفتيان خلال الموسم الدراسي 2024–2025، ما يؤكد تفوق الفتيات في هذه المرحلة العمرية.

ويرتبط هذا التطور بتوسع غير مسبوق في العرض العمومي، حيث ارتفع عدد وحدات التعليم الأولي العمومي من 6185 وحدة خلال الموسم 2018–2019 إلى 23182 وحدة خلال الموسم 2024–2025. وفي المقابل، عرف التعليم غير المهيكل تراجعا كبيرا، إذ انخفض عدد وحداته من 18882 إلى 4946 وحدة، بما يعكس انتقالا تدريجيا نحو تنظيم القطاع وتأطيره. وبالتوازي مع ذلك، ارتفعت الميزانية العمومية المخصصة للتعليم الأولي من 1.13 مليار درهم سنة 2019 إلى حوالي 3 مليارات درهم سنة 2025، مع تحول في طبيعة الإنفاق من الاستثمار إلى التسيير، بما يعكس الانتقال من مرحلة البناء إلى مرحلة التشغيل والتجويد.

غير أن التقرير يطرح سؤالا محوريا يتعلق بمستوى المكتسبات الفعلية للأطفال. وفي هذا الإطار، بلغ المعدل العام للمكتسبات في نهاية مرحلة التعليم الأولي 62 نقطة من أصل 100، فيما تمكن أكثر من 75% من الأطفال من تجاوز العتبة المتوسطة المحددة في 50 نقطة. ولا تظهر النتائج فروقا ذات دلالة إحصائية بين الجنسين، إذ سجلت الفتيات 63 نقطة مقابل 62 نقطة للفتيان، غير أن الفوارق المجالية ما تزال واضحة، حيث بلغ المعدل 66 نقطة في الوسط الحضري مقابل 58 نقطة في الوسط القروي، مع تجاوز 86% من أطفال المدن للعتبة المتوسطة، مقابل 64% فقط في القرى.

كما يكشف التقرير عن تفاوتات حسب نوع العرض التربوي، إذ يحقق التعليم الخصوصي، الذي يحتضن 23% من الأطفال، أفضل النتائج بمعدل 71 نقطة، يليه التعليم غير المهيكل بـ67 نقطة، ثم التعليم القائم على الشراكة بـ61 نقطة، بينما يسجل التعليم العمومي أدنى معدل بـ57 نقطة، رغم أنه، إلى جانب الشراكات، يحتضن حوالي ثلثي الأطفال المغاربة.

وعلى مستوى مجالات التعلم، يتصدر النمو الاجتماعي–العاطفي النتائج بمعدل 68 نقطة، يليه مجال ما قبل الرياضيات بـ65 نقطة، ثم الوظائف التنفيذية بحوالي 60 نقطة، في حين يبقى مجال القراءة والكتابة المبكرة الحلقة الأضعف بمعدل 56 نقطة، مع صعوبات واضحة في التعرف على أشكال الحروف وأسمائها.

ويربط التقرير هذه النتائج جزئيا بالخصائص الاجتماعية للأسر، حيث إن 53% من أولياء الأمور، خصوصا الأمهات، لا يتجاوز مستواهم الدراسي التعليم الابتدائي، و28% غير متمدرسين. كما تعيش 36% من الأسر بدخل شهري يقل عن 2500 درهم، و33.5% بدخل يتراوح بين 2500 و5000 درهم، في حين لا تتجاوز نسبة الأسر التي يفوق دخلها 5000 درهم 30%. وعلى مستوى الثقافة القرائية المنزلية، لا يتوفر 32% من الأطفال على أي كتاب داخل البيت، وترتفع النسبة إلى 53% في الوسط القروي، فيما لم يُقرأ لأي كتاب داخل الأسرة لدى 58% من الأطفال.

أما داخل المؤسسات، فيبرز التقرير صورة مركبة، إذ يلج 86% من الأطفال مؤسسات مرتبطة بشبكة ماء صالح للشرب، غير أن 31% فقط يستفيدون من مرافق صحية تستوفي المعايير، كما أن 38% فقط يتعلمون داخل مؤسسات تحرص على غسل الأيدي بالصابون قبل الوجبات بشكل منتظم. وفي المقابل، يظل إدماج الأطفال في وضعية إعاقة محدودا جدا، إذ لا تتجاوز نسبتهم 1.2% من مجموع الأطفال، وفق المعطيات المصرح بها من طرف مسؤولي الوحدات.

وتشكل الموارد البشرية أحد مفاتيح الفهم الأساسية، حيث يتولى تأطير الأطفال مربيات ومربون أغلبهم شباب وغالبيتهم من النساء، مع خبرة مهنية محدودة، خاصة في التعليم العمومي والشراكات. ويؤطر 49% من الأطفال مربون لا تتجاوز خبرتهم خمس سنوات، وترتفع هذه النسبة إلى 70% في الوسط القروي. وعلى مستوى الأجور، يؤطر 25% من الأطفال مربون يتقاضون أقل من 2000 درهم، بينما يستفيد 42% من أطفال آخرين من تأطير مربين تتجاوز أجورهم 3000 درهم. كما تسجل إشكالية تأخر صرف الأجور، خاصة في التعليم غير المهيكل بنسبة 23%. وتبقى كثافة الأقسام مرتفعة، حيث يتواجد 56% من أطفال التعليم العمومي و37% من أطفال القرى في أقسام تضم أكثر من 20 طفلا لكل مربية.

وعلى مستوى الممارسات التربوية داخل الأقسام، يسجل التقرير استمرار محدودية اعتماد الأساليب الحديثة الداعمة للتعلم. ففي مجال ما قبل الرياضيات، لم يستفد 29% من الأطفال من أي نشاط خلال فترة الملاحظة، ولم تتجاوز نسبة الأنشطة التفاعلية القائمة على الاستكشاف 25%. وفي مجال القراءة والكتابة المبكرة، تهيمن الأنشطة التقليدية المعتمدة على ترديد الحروف ونسخها، بينما تكاد القراءة من كتب الأطفال تكون غائبة، إذ لم يستفد منها 86% من الأطفال، رغم أن غياب الكتب داخل الفصول لا يفسر ذلك إلا جزئيا، حيث إن 7% فقط من الفصول خالية من الكتب. كما تبقى أنشطة التعبير الشفوي محدودة، إذ لم يستفد 26% من الأطفال من أي نشاط، ولا تتجاوز نسبة المشاركين في ممارسات تشجع الحوار 29%.

ويشير التقرير أيضا إلى اختلالات في تنمية المهارات الحركية الدقيقة، حيث لا يستفيد 26% من الأطفال من أي نشاط مخصص لذلك، مقابل 46% يشاركون في أنشطة ملائمة. أما اللعب الحر، الذي يعد ركنا أساسيا في بيداغوجيا الطفولة المبكرة، فما يزال ضعيف الحضور، خصوصا في التعليم غير المهيكل، حيث لا يستفيد منه 93% من الأطفال. وفي المقابل، تشمل أنشطة الموسيقى والحركة 62% من الأطفال، مع تفاوتات بين الأنماط التعليمية.

وعلى مستوى التفاعل التربوي، تسجل غالبية الأقسام اعتماد استراتيجيات إيجابية، غير أن التدخلات اللفظية السلبية ما تزال قائمة لدى 8% من الأطفال، بينما تظل المشاركة النشطة والتفريد البيداغوجي محدودين، ولا يستفيد منهما بانتظام سوى 29% من الأطفال.

وبناء على هذا التشخيص، خلص التقرير إلى جملة من النتائج الأساسية، أبرزها استمرار الفوارق المجالية والاجتماعية في الولوج وجودة التعلمات رغم التقدم المحقق، وتفاوت جودة بيئات التعلم خاصة في ما يتعلق بالمرافق الصحية والموارد البيداغوجية، ومحدودية الممارسات التربوية التفاعلية، خصوصا في مجال اللغة المبكرة، إلى جانب هشاشة إدماج الأطفال في وضعية إعاقة، واختلاف شروط العمل والتأطير المهني بين المربيات والمربين، بما يؤثر على الاستقرار وجودة الأداء.

وفي مواجهة هذه التحديات، اقترح التقرير محاور مركزية للعمل، من بينها تسريع الانتقال من منطق التعميم إلى منطق الجودة، وتعزيز الإنصاف المجالي عبر تخطيط تربوي يراعي الخصوصيات الترابية، وضبط الحكامة والقيادة المؤسساتية من خلال توضيح الأدوار وتنسيق الفاعلين وتتبع التمويل. كما دعا إلى تعزيز دور الجماعات الترابية في إطار الجهوية المتقدمة، وتقوية مهنية المربيات والمربين عبر تحسين شروط العمل والتكوين الأساس والمستمر، وتطوير الممارسات التربوية، خاصة في اللغة والأنشطة التفاعلية واللعب، وتعزيز إدماج الأطفال في وضعية إعاقة، وتقوية العلاقة بين المدرسة والأسرة، وتحسين الانتقال بين التعليم الأولي والابتدائي لضمان استمرارية التعلمات.

أما على المستوى المنهجي، فقد اعتمد التقييم مقاربة شمولية قائمة على تحليل الوثائق والمرجعيات القانونية والأدبيات الدولية، مع جمع معطيات ميدانية كمية وكيفية مستندة إلى الإطار الدولي MELQO، الذي طورته اليونسكو واليونيسف والبنك الدولي وبروكينغز، بعد تكييفه مع السياق المغربي. وشمل البحث الميداني، المنجز بين أبريل وماي 2024، حوالي 180 وحدة تعليم أولي من مختلف الأنماط، و871 طفلا، و180 من المربيات والمربين، و180 مسؤولا عن المؤسسات، و624 ولي أمر، إضافة إلى 180 جلسة ملاحظة صفية، باستعمال نظام رقمي يضمن دقة المعطيات وجودتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى