شوكي يقود “الأحرار” نحو 2030: استمرارية محسوبة أم إعادة تموقع هادئة في زمن التحولات؟

تحليل إخباري : عبدالله مشواحي الريفي
لم يكن انتخاب محمد شوكي رئيسًا جديدًا لحزب التجمع الوطني للأحرار، خلال المؤتمر الاستثنائي المنعقد بمدينة الجديدة، حدثًا تنظيميًا عاديا في روزنامة الأحزاب المغربية، بل شكّل لحظة سياسية كثيفة الدلالات، جاءت في سياق وطني وإقليمي دقيق، وقبيل استحقاقات تشريعية حاسمة، وفي ظل نقاش عمومي متزايد حول معنى الاستمرارية، وحدود التجديد، ودور النخب الحزبية في حماية التوازنات الكبرى للبلاد. لحظة لم يقدّم فيها شوكي نفسه كـ”قائد مرحلة قطيعة”، ولا كوجه صدامي يبحث عن الأضواء، بل كامتداد هادئ لمسار سياسي اختار منذ بدايته الاشتغال داخل المؤسسات، وتحت سقف الثوابت، وبمنطق التراكم لا الهدم.
منذ كلمته الأولى بعد نيله ثقة المؤتمرين، بدا واضحًا أن محمد شوكي واعٍ بجسامة التكليف، مدرك لحجم المسؤولية، ومُلمّ بحساسية المرحلة. لم يذهب إلى لغة الانتصار الشخصي، ولم يركن إلى الخطابة الحماسية، بل وصف اللحظة بدقة سياسية حين اعتبرها “أمانة مضاعفة والتزامًا صريحًا بالوفاء لمسار الحزب”، واضعًا نفسه، منذ البداية، في موقع خادم المشروع لا مالكه، وحارس التوازنات لا مخلخلها. وهو توصيف يعكس شخصية سياسية تفضّل الاشتغال في العمق، وتدرك أن قيادة حزب تصدّر المشهد الحكومي ليست امتيازًا، بل اختبارًا يوميًا للمصداقية والقدرة على الاستمرارية.
حزب لم يكن عابرًا… ورؤية ملكية كمرجعية عليا
في عمق كلمته، شدّد شوكي على أن حزب التجمع الوطني للأحرار لم يكن يومًا حزبًا “عابرًا” في التاريخ السياسي المغربي، بل فاعلًا مركزيًا في التحولات الكبرى التي عرفتها البلاد. هذا التأكيد لم يكن استدعاءً للماضي من باب التفاخر، بل من باب ربط الحاضر بسياقه التاريخي، وإبراز أن الحزب، في مختلف محطاته، ظل يتحرك داخل منطق الدولة، لا ضدها، وداخل المؤسسات، لا على هامشها.
وفي هذا الإطار، وضع شوكي بوصلة الحزب بوضوح حين أكد أن المرجعية الناظمة لكل اختيارات “الأحرار” ستظل هي رؤية صاحب الجلالة الملك محمد السادس، باعتبارها الإطار الاستراتيجي للمشروع الوطني الذي يضع الإنسان المغربي في قلب التنمية، ويوازن بين البعد الاجتماعي والنجاعة الاقتصادية والاستقرار السياسي. هذا التموقع لم يكن تفصيلاً خطابيا، بل رسالة سياسية واضحة، مفادها أن الحزب لا يناور في القضايا الكبرى، ولا يبحث عن مسافة رمادية مع الدولة، بل يشتغل من داخلها، وبمنطق التكامل مع مؤسساتها.
الإشادة بأخنوش… درس في القيادة الهادئة
واحدة من أكثر اللحظات دلالة في خطاب محمد شوكي، كانت إشادته الاستثنائية بسلفه عزيز أخنوش، ليس فقط كرئيس حزب قاد “الحمامة” لعشر سنوات، بل كنموذج في القيادة السياسية الهادئة. فقد اعتبر شوكي أن القرار الطوعي لأخنوش بعدم الترشح لولاية جديدة يشكّل “درسًا بليغًا في احترام القوانين الحزبية”، وتجسيدًا لنمط قيادة لا تتشبث بالمواقع، ولا تختزل الحزب في الأشخاص.
هذا التقدير لم يكن بروتوكوليًا، بل حمل اعترافًا صريحًا بأن مرحلة أخنوش، المرفوعة بشعار “أغاراس أغاراس” (المسار المستقيم)، أعادت الاعتبار للعمل السياسي الجاد القائم على الإنجاز وربط الخطاب بالبرنامج، وأسست لهوية “الديمقراطية الاجتماعية” المؤمنة بفعالية التدبير وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهنا يبرز شوكي كسياسي لا يحاول قتل الأب الرمزي، بل يبني على إرثه، ويستثمر ما راكمه الحزب بدل الدخول في منطق تصفية الحسابات.
الاستمرارية لا الهدم… حزب مؤسسات لا أمزجة
في لبّ تصوره لقيادة الحزب، أعلن محمد شوكي بوضوح أن خياره الاستراتيجي هو ضمان الاستمرارية، لا هدم ما بُني. قالها صراحة: “نحن حزب مؤسسات يقوم على هياكل راسخة وتجربة تراكمية ناضجة”. وهي عبارة تختزل فلسفة سياسية كاملة، قوامها الإيمان بأن قوة الأحزاب لا تقاس بالصراخ الإعلامي، بل بقدرتها على صيانة وحدتها الداخلية، وحفظ توازناتها، خصوصًا في زمن التحولات العميقة والضغوط المتزايدة.
شوكي، المعروف داخل الأوساط الحزبية برجل التوازنات، لم يقدّم وعودًا شعبوية، بل طمأن مناضلي الحزب بأن التجديد سيطال الأشخاص والآليات، دون المساس بالاختيارات الكبرى والمرجعية الوطنية الراسخة. وهو ما يعكس إدراكًا عميقًا بأن أخطر ما يهدد الأحزاب التي تصل إلى السلطة هو وهم “البداية من الصفر”، أو الاعتقاد بأن كل مرحلة يجب أن تُبنى على أنقاض سابقتها.
جاهزية انتخابية ورسائل مباشرة للخصوم
بعيدًا عن اللغة الرمزية، حمل خطاب شوكي رسائل سياسية مباشرة، خصوصًا في ما يتعلق بالاستحقاقات التشريعية المقبلة. فقد أكد أن حزب التجمع الوطني للأحرار يوجد في جاهزية تامة، وأن لجنة الانتخابات حسمت في حوالي 95% من المرشحين، ما يعكس عملًا تنظيميًا استباقيًا، لا رد فعل ظرفي.
وبنبرة واثقة، أعلن شوكي أن الحزب سيظل في الريادة، وسيتبوأ المرتبة الأولى في الاستحقاقات المقبلة، معتبرًا أن انتخابات 2026 ليست مجرد منافسة عددية، بل “امتحان ثقة” بين المواطن وحزب لم يختبئ وقت الأزمات، وتحمل مسؤوليته كاملة في تدبير الشأن العام. هنا يظهر شوكي كسياسي لا يتهرب من كلفة التدبير، ولا يحمّل الإخفاقات لغيره، بل يعتبرها جزءًا من المسؤولية السياسية.
التعبئة الميدانية… سياسة القرب لا المنصات
في ختام كلمته، وجّه الرئيس الجديد لـ”الحمامة” نداءً واضحًا لمناضلي الحزب، داعيًا إلى انخراط ميداني قوي، قائم على المصداقية والقرب، لا على الخطاب الفوقي. وتعهد بأن يكون “رئيسًا جامعًا لا مفرقًا، ومنصتًا لا متعاليًا”، فاتحًا أبواب الحزب أمام النقاش والاقتراح، خصوصًا أمام الشباب والنساء والكفاءات.
هذا التوجه يعكس قناعة راسخة لدى شوكي بأن الأحزاب لا تُقاد من المنصات وحدها، بل من الميدان، وأن قوة أي تنظيم سياسي تقاس بقدرته على الإنصات لمحيطه الاجتماعي، لا بقدرته على الهيمنة الإعلامية. وهو منطق ينسجم مع مساره الشخصي، كنائب برلماني عن إقليم بولمان، ومنسق جهوي بجهة فاس–مكناس، راكم تجربة ميدانية جعلته أقرب إلى نبض القواعد من حسابات الصالونات.
شوكي… ملامح قيادة بلا ضجيج
في المحصلة، لا يقدّم محمد شوكي نفسه كزعيم كاريزمي صدامي، بل كقيادي مؤسساتي، هادئ، يؤمن بأن السياسة ليست استعراضًا، بل فعل تراكمي، وأن الدفاع عن الوطن يمر عبر تقوية المؤسسات، لا إضعافها. وهو ما يفسر حضوره المتزن، وخطابه الوطني، وحرصه الدائم على عدم الانزلاق إلى الشعبوية أو المزايدات.
قيادة شوكي لحزب التجمع الوطني للأحرار تفتح مرحلة عنوانها الأبرز: الاستمرارية في ظل التجديد، وتطرح رهانًا حقيقيًا على قدرة النخب السياسية الشابة على تدبير السلطة بعقل الدولة، لا بعقل المعارضة الدائمة. وبين طموح الصدارة الانتخابية، والالتزام بالمرجعية الملكية، والعمل الميداني القريب من المواطن، يحاول شوكي أن يرسم معالم قيادة هادئة، لكنها واثقة، تدرك أن السياسة، في نهاية المطاف، ليست سباقًا قصيرًا، بل مسارًا طويلًا لا يحتمل الارتجال.






