تصريحات الجهات تُشرِّعُ التنزيل: رؤساء 12 جهة يتعهدون بتحويل البرامج إلى واقع ملموس.. ووزارة الداخلية رافعة للنجاعة والرقابة

يشهد المشهد الإداري والتنموي في المغرب تحولاً جذرياً تقوده وزارة الداخلية تنفيذا للتوجهات الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس، مُرسِّخَةً دورها كرافعة رئيسية للنجاعة المؤسساتية وتنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة. وقد شكّل إجتماع أمس الذي عقده وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، مع رؤساء الجهات الاثنتي عشرة للمملكة، بحضور الولاة، نقطة انطلاق عملية لمرحلة التنفيذ التي تستهدف ترجمة التطلعات الملكية الرامية إلى تحقيق العدالة المجالية والفعالية في تدبير الشأن العام.
هذا التحليل يستعرض الأبعاد العميقة لهذا التحول، ويرصد التعهدات الصريحة لرؤساء الجهات، ويُبين كيف تعمل وزارة الداخلية على ضمان نجاح هذه البرامج التاريخية، والقطع مع معضلة “تعثر المشاريع” التي أرَّقت الإدارة لسنوات.
تصريحات الرؤساء: “الرؤية الملكية هي صوت المواطن”
كان جوهر الاجتماع هو تحويل عملية التخطيط من وثائق نظرية إلى التزام عملي وعلني من قبل المؤسسات المنتخبة. رؤساء الجهات ظهروا بصفة الشركاء التنفيذيين الذين يتبنون المسؤولية الكاملة عن الأثر التنموي.
التعهد بالاستجابة للحاجيات الميدانية:
أبرزت تصريحات الرؤساء التركيز على قاعدة بيانات ضخمة وواسعة:
-
الأرقام المؤسسة للبرنامج: أشار الرؤساء إلى أن البرنامج الجديد وُلد من رحم مشاورات شارك فيها ما يقارب 86 ألف مشارك على المستوى الوطني، نتج عنها تحديد حوالي 30 ألف حاجة معبر عنها من قبل الساكنة. هذا الحصر الدقيق للحاجيات يهدف إلى ضمان أن يكون الاستثمار العمومي موجهاً بدقة، بعيداً عن المشاريع الترفيهية أو غير ذات الأولوية.
-
العمود الفقري الفلسفي: أكد عبد اللطيف معزوز (رئيس جهة الدار البيضاء سطات) أن هذا البرنامج يعكس أن “الرؤية الملكية هي صوت المواطن اليوم”. هذه العبارة تحمل دلالة قوية على أن البوصلة التنموية يجب أن توجهها مطالب القرب، وليس الأجندات السياسية الضيقة.
-
الالتزام بإنهاء التعثر: ركز كريم أشنكلي (رئيس جهة سوس ماسة) على ضرورة “المرور إلى المرحلة العملية” و “تفادي ترك المشاريع حبراً على ورق”، مما يعكس تحدي الإسراع في الإنجاز. كما أكد عبد الواحد الأنصاري (رئيس جهة فاس مكناس) على “تجديد الانخراط الكامل” لضمان شمولية المشاريع لكافة الأقاليم.
هذا التعهد الجماعي يضع رؤساء الجهات أمام اختبار حقيقي لإثبات قدرة اللامركزية على تحقيق النجاعة الإدارية والاقتصادية.
وزير الداخلية لفتيت: الهندسة الإدارية وضمانة التنفيذ الفعّال
يعمل وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، كـمهندس إداري ومنفذ بشراسة للتوجيهات الملكية، مستخدماً صلاحيات وزارته لتصحيح المسار وإرساء آليات الرقابة والنجاعة. دور لفتيت في هذا الملف لا يقتصر على التنسيق، بل يشمل القطع مع الممارسات السابقة التي أدت إلى هدر المال العام وتعثر الأوراش.
شركات التنمية الجهوية (SRD): آلية القطع مع الفشل:
تُعد قيادة لفتيت لتفعيل وتعميم شركات التنمية الجهوية هي الاستراتيجية الأهم لـانتزاع المشاريع الكبرى من مخاطر التسيير الفردي أو الانتخابي غير الكفء. الـ(SRD) هي هيئات احترافية ومؤهلة تهدف إلى:
-
المهنية والسرعة: ضمان إدارة المشاريع (تأهيل المدن، المرافق العمومية، البنية التحتية) بمهنية عالية وسرعة فائقة، بعيداً عن التأثيرات السياسية.
-
ضمان الجاهزية: هذه الآلية حاسمة لضمان جاهزية البنيات التحتية والمرافق العمومية للمملكة، خصوصاً في سياق الاستعدادات الوطنية لاستضافة الأحداث الرياضية الكبرى مثل كأس إفريقيا وكأس العالم. فلو بقيت هذه المشاريع في يد التسيير العادي للجماعات، لكان مصيرها الفشل المؤكد، كما أثبتت تجربة المحطات الطرقية المتعثرة.
دور الداخلية في الرقابة والمواكبة:
تضطلع وزارة الداخلية بدور الرقيب الصارم، حيث تعمل على:
-
ضمان الانسجام: التأكد من أن برامج الجهات متوافقة بشكل كامل مع الاستراتيجيات الوطنية الكبرى لتقليل التشتت وهدر الموارد.
-
تفعيل المحاسبة: استخدام الصلاحيات الإدارية لربط المسؤولية بالمحاسبة، ومواكبة الولاة لتطبيق القانون بحزم ضد أي تقاعس أو سوء تدبير في تنفيذ هذه البرامج.
-
التشخيص والمتابعة: تقديم إحاطات دقيقة للرؤساء حول مخرجات التشخيص الترابي، مما يضمن أن قرارات التمويل والتنفيذ تستند إلى معطيات علمية وواقعية.
التحدي المستقبلي: ترجمة “30 ألف حاجة” إلى تنمية مستدامة
يشكل هذا الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية، الذي ترعاه الداخلية بصرامة، نقطة تحول نحو لامركزية فعالة وحقيقية. التحدي الآن ليس في التخطيط، بل في:
-
تمويل المشاريع: ضمان توفير التمويل اللازم وتحرير الاعتمادات المالية في الوقت المناسب لبدء التنفيذ، وتجنب أي تأخير قد يعيد شبح التعثر.
-
الفعالية الميدانية: قدرة الجهات، بدعم من الـ(SRD)، على إدارة المقاولات والموارد البشرية والمعدات بكفاءة عالية لإنهاء الأوراش في آجالها المحددة.
-
العدالة المجالية: التأكد من أن البرامج لا تتركز فقط في المراكز الحضرية، بل تمتد لتشمل المناطق القروية والأكثر عزلة، تحقيقاً لمبدأ الإنصاف الترابي الذي طالبت به التوجيهات الملكية.
لقد أرسى اجتماع وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت مع رؤساء الجهات الإطار المؤسساتي والالتزام السياسي المطلوب لتسريع تنزيل التوجيهات الملكية السامية المنبثقة عن خطاب العرش الأخير. وبفضل الآليات الصارمة لوزارة الداخلية، وبدعم من التعهدات القاطعة لرؤساء الجهات، يضع المغرب نفسه على مسار تنموي جديد يهدف إلى تحويل التطلعات الشعبية إلى واقع ملموس، وإرساء نموذج للحكامة الإدارية يتميز بالنجاعة والشفافية.






