جيتكس بالملايين… والمواطن يُسرق بضغطة رابط! من يحمي المغاربة من مافيا النصب الإلكتروني؟و “نارسا” تحذر

في وقت تتباهى فيه الحكومة بتسريع وتيرة التحول الرقمي وتخصص ميزانيات ضخمة للمشاركة في تظاهرات دولية كبرى من قبيل جيتكس، تتصاعد على الأرض موجة مقلقة من جرائم النصب والاحتيال الإلكتروني، التي باتت تستهدف المواطنين بشكل مباشر عبر رسائل نصية وروابط مزيفة، مستغلة ثقتهم في المؤسسات العمومية وضعف الوعي بالمخاطر الرقمية.
وفي هذا السياق، خرجت الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، المعروفة اختصاراً بـ“نارسا”، ببلاغ رسمي حازم، نفت فيه بشكل قاطع إرسال أي رسائل نصية تتضمن روابط لأداء غرامات مخالفات السير، مؤكدة أن ما يتم تداوله يدخل في إطار عمليات احتيال رقمي تعتمد على انتحال صفة مؤسسة رسمية، بهدف استدراج الضحايا وسرقة معطياتهم الشخصية والبنكية.
تحذير “نارسا” لم يأت من فراغ، بل يعكس تحولاً خطيراً في طبيعة الجريمة، حيث لم تعد تقتصر على الأساليب التقليدية، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي مستفيدة من انتشار الهواتف الذكية وتوسع الخدمات الإلكترونية، وهو ما أفرز بيئة خصبة لنشاط شبكات إجرامية منظمة توظف تقنيات التصيد الإلكتروني وتستغل أي ثغرة في المنظومة الرقمية.
المثير للقلق أن هذه الجرائم تتطور بسرعة لافتة، في مقابل بطء واضح في التفاعل المؤسساتي، سواء على مستوى التحسيس أو الردع أو التأطير القانوني، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى جاهزية المنظومة الوطنية لمواكبة هذا التحول، وحول نجاعة السياسات العمومية في حماية المواطن في الفضاء الرقمي، الذي أصبح امتداداً لحياته اليومية.
فكيف يمكن الحديث عن رقمنة الخدمات دون توفير ضمانات حقيقية للأمن السيبراني؟ وكيف يُترك المواطن وحيداً في مواجهة رسائل احتيالية قد تكلفه مدخراته، في وقت تُصرف فيه أموال عمومية ضخمة على الترويج لصورة رقمية متقدمة في الخارج؟ إن التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني بات صارخاً، ويكشف عن خلل عميق في ترتيب الأولويات.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد حالات معزولة، بل مؤشر على تشكل “مافيا رقمية” تستهدف المغاربة بشكل ممنهج، مستفيدة من ضعف التنسيق بين المتدخلين ومن محدودية الحملات التوعوية، وهو ما يجعل من الضروري الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق، عبر وضع استراتيجية وطنية شاملة للأمن الرقمي، تدمج بين الوقاية والتوعية والزجر.
الحكومة مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتحمل مسؤوليتها كاملة في هذا الملف، من خلال تعزيز البنية التحتية للأمن السيبراني، وتكثيف حملات التحسيس، وتبسيط مساطر التبليغ عن الجرائم الإلكترونية، إلى جانب تشديد العقوبات على المتورطين في هذا النوع من الجرائم، التي لم تعد تقل خطورة عن الجرائم التقليدية.
إن استمرار هذا الوضع دون تدخل حازم وسريع، ستكون له تداعيات خطيرة على ثقة المواطنين في المؤسسات وفي مسار الرقمنة ككل، إذ لا يمكن بناء دولة رقمية قوية في ظل شعور عام بانعدام الأمان الرقمي. وعليه، فإن الرسالة التي حملها تحذير “نارسا” يجب أن تتحول إلى نقطة انطلاق لإعادة ترتيب الأوراق، لأن أي تأخر في المواجهة لن يكون ثمنه فقط خسائر مالية فردية، بل قد يتحول إلى أزمة ثقة عميقة يصعب ترميمها في المستقبل القريب.






