صفقات “الزفت” تفضح المنتخبين… مشاريع عمومية مغشوشة.. نفوذ وابتزاز انتخابي والمفتشية العامة والمجالس الجهوية للحسابات مطالبة بالتدخل

تشهد عدد من الجماعات الترابية حالة من التوتر المتصاعد، على خلفية معطيات متداولة تفيد بوجود اختلالات خطيرة تحيط ببرمجة وتنفيذ مشاريع تزفيت الطرق، حيث تحولت هذه الأوراش العمومية، التي يفترض أن تندرج ضمن تحسين البنية التحتية وخدمة المرفق العام، إلى مجال خصب للتجاذب بين المنتخبين وبعض المقاولات، في سياق تداخلت فيه الحسابات الانتخابية مع منطق تدبير المال العام، بما يطرح أكثر من علامة استفهام حول شفافية الصفقات العمومية وجودة الحكامة المحلية.
وتفيد المعطيات المتداولة بأن عدداً من المنتخبين داخل بعض المجالس الجماعية لم يكتفوا بالتدخل في تحديد أولويات المشاريع، بل تجاوزوا ذلك إلى محاولة التأثير في مسار تنفيذ أشغال التزفيت، سواء عبر الضغط لتغيير المسارات التقنية المعتمدة أو محاولة إعادة توجيه بعض الأشغال نحو مناطق بعينها وفق اعتبارات لا تخضع بالضرورة للمعايير التقنية أو التخطيط الحضري، بل ترتبط في أحيان كثيرة بحسابات انتخابية ضيقة تهدف إلى استمالة الناخبين وتعزيز الحضور السياسي في محيط الدوائر الانتخابية.
وتبرز في هذا السياق ممارسات تثير جدلاً واسعاً، تتمثل في العلاقة غير المتوازنة بين بعض المنتخبين وشركات الأشغال، حيث يُتهم عدد من الفاعلين المحليين بمحاولة التأثير غير المباشر في مسار الصفقات أو الضغط المعنوي على المقاولات المنفذة للأشغال، بما في ذلك التلويح بتجييش الساكنة أو خلق احتقان محلي في حال عدم الاستجابة لبعض المطالب المرتبطة بتوجيه الأشغال، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى توجيه شكايات رسمية إلى الجهات المعنية من طرف مقاولات متضررة تطالب بحماية سير المشاريع وضمان احترام دفاتر التحملات.
هذا الوضع ساهم في خلق مناخ من الشك داخل تدبير الشأن المحلي، حيث تحولت مشاريع التزفيت، التي تُمول من المال العام ويفترض أن تخضع لمنطق المصلحة العامة والمعايير التقنية الصارمة، إلى مجال للتجاذب السياسي واستثمار انتخابي مبكر، يتم من خلاله توظيف هذه الأوراش كأداة غير مباشرة لبناء النفوذ المحلي، في تجاوز واضح لروح القوانين المنظمة للجماعات الترابية ولمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص.
وفي خضم هذا الجدل، تتعالى الدعوات إلى ضرورة تدخل المؤسسات الرقابية بشكل عاجل، وعلى رأسها المفتشية العامة للإدارة الترابية، إلى جانب المجالس الجهوية للحسابات، من أجل فتح تحقيقات معمقة حول طريقة تدبير صفقات التزفيت، ومدى احترام المساطر القانونية في إعدادها وتنفيذها، وكذا الوقوف على أي حالات محتملة لتضارب المصالح أو استغلال النفوذ أو توجيه الصفقات بما يخدم اعتبارات غير تقنية.
كما يطالب متتبعون للشأن المحلي بضرورة إعادة الاعتبار لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفعيل آليات المراقبة القبلية والبعدية للصفقات العمومية، بما يضمن حماية المال العام من أي انزياح نحو الاستغلال السياسي، خاصة في ظل تزايد المؤشرات التي تفيد بأن بعض المشاريع أصبحت تُدار بمنطق انتخابي أكثر منه تنموي، وهو ما يهدد مصداقية العمل الجماعي ويضعف ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة ضبط العلاقة بين المنتخبين والمقاولات المنفذة للأشغال العمومية، عبر تعزيز الشفافية في إسناد الصفقات، وتكريس مبدأ التنافسية الحقيقية، مع إبعاد التدخلات غير القانونية عن مسار تنفيذ المشاريع، حتى لا تتحول البنية التحتية، وعلى رأسها مشاريع التزفيت، إلى وقود لصراعات سياسية محلية، بدل أن تكون رافعة للتنمية وتحسين جودة عيش المواطنين.
وتؤكد هذه المعطيات أن معركة الحكامة المحلية لم تعد مسألة تقنية أو إدارية فقط، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بنزاهة الفعل السياسي المحلي، وبمدى قدرة المؤسسات الرقابية على فرض احترام القانون، في مواجهة كل أشكال الانحراف في تدبير الصفقات العمومية، بما يضمن إعادة الثقة إلى المواطن في جدوى التسيير المحلي ومصداقية المؤسسات المنتخبة.





