تقرير : سحابة قاتمة تخيّم على سماء التعليم: هل يلوح في الأفق “شلل” جديد؟

تتصاعد حدة التوتر مجددًا في قطاع التعليم، حيث أعلنت التنظيمات النقابية الأكثر تمثيلًا عن استيائها العميق ورفضها لما وصفته بـ”التأخير المتعمد” من قبل الجهات الوصية في تنفيذ بنود اتفاقات سابقة.
في بيان مشترك، عبرت هذه التنظيمات عن رفضها لـ”سياسة التسويف والمماطلة” وحمّلت المسؤولية للجهات الحكومية المعنية، متهمة إياها بالتنصل من التزاماتها التي تم التوافق عليها في عام سابق، واعتبرت ذلك بمثابة رد فعل على “تحركات القطاع المشروعة”.
يأتي هذا التصعيد في ظل تاريخ حافل بالإضرابات والاحتجاجات التي هزت المؤسسات التعليمية مرارًا وتكرارًا في السنوات الأخيرة. ورغم التوقيع على اتفاقيتين في نهاية العام الماضي، ترى النقابات أن الوعود لم تُنفذ على أرض الواقع، مما أعاد شبح الاحتقان ليخيم على الأجواء.
يثير هذا الوضع تساؤلات جوهرية حول جدوى الحوار القطاعي، وما إذا كان هذا التصعيد الحالي ينذر بموجة جديدة من الاحتجاجات الأكثر حدة. فهل تتجه الأزمة نحو حل قريب يطفئ نار الغضب، أم أن شبح “الشلل” الكامل للقطاع بات قاب قوسين أو أدنى مع انسداد قنوات التواصل؟
سيناريوهات مفتوحة على صفيح ساخن
في تعليقه على هذه المستجدات، أكد مسؤول نقابي بارز أن الجهة المسؤولة لم تلتزم بتنفيذ كافة بنود الاتفاق الأخير، على الرغم من تفعيل معظم مقتضيات النظام الأساسي الجديد. وشدد على ضرورة الإسراع في معالجة النقاط العالقة التي تهم شريحة واسعة من العاملين في القطاع.
وأضاف في تصريح صحفي للجريدة “فاس24″، أن “الحوار هو الإطار الأمثل لإيجاد حلول للملفات المعلقة، لكنه يشهد تعثرًا واضحًا يستدعي تجاوز حالة الجمود الحالية”، مؤكدًا أن النقابات لا تسعى للتصعيد، لكنها تأمل في استئناف حوار جاد ومثمر، مع التلويح بأن جميع الخيارات تبقى واردة في حال استمرار “المماطلة”.
وأشار إلى أن التنظيمات النقابية قد وجهت بالفعل مراسلة رسمية للوزارة المعنية تطالب فيها بالعودة إلى الحوار الجاد والمسؤول، وتنفيذ الاتفاقات السابقة دون تأخير، محذرًا من أن التنسيق النقابي مستعد للجوء إلى كافة الأشكال النضالية، بما في ذلك العودة إلى الاحتجاجات في الشوارع وتعطيل الدراسة في المؤسسات العمومية.
وأوضح أن “الهياكل النقابية ستجتمع قريبًا لتحديد الخطوات التصعيدية المقبلة بناءً على رد الوزارة”، مؤكدًا أن الحل الأمثل يكمن في الحوار والتفاوض، مع تحميل الحكومة مسؤولية الوفاء بتعهداتها.
تداعيات محتملة للاحتجاجات المتجددة
من جهته، يرى خبير تربوي أن البيان الأخير للنقابات يعكس عودة التنسيق الكامل بينها بعد فترة من التباين في المواقف، مشيرًا إلى أن صدور قانون يتعلق بالاحتجاجات في الجريدة الرسمية كان له تأثير في هذا الاصطفاف النقابي الجديد.
وأكد في تصريح صحفي ل “فاس24” أن “النقابات قد تستغل الفترة المتبقية قبل دخول القانون حيز التنفيذ لتنظيم احتجاجات واسعة النطاق، بينما قد تراهن الحكومة على كسب الوقت حتى انتهاء هذه المهلة، مما سيجعل الاحتجاجات المستقبلية أكثر صعوبة بسبب القيود القانونية الجديدة”.
وتوقع أن يشهد الحوار الاجتماعي جمودًا خلال الفترة المقبلة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية ورغبة الحكومة في تجنب التكاليف المالية المرتبطة بالاتفاقات السابقة. غير أنه استبعد أن يؤدي استفادة بعض الفئات من النظام الأساسي الجديد إلى الحد من زخم الاحتجاجات بشكل كبير مقارنة بالعام الماضي.
أما فيما يتعلق بتأثير الاحتجاجات على التعليم العمومي، فيرى أن الضرر سيعتمد على مدى قدرة النقابات على حشد المشاركين ومدة التوقف عن الدراسة، مضيفًا أنه إذا شملت الاحتجاجات حتى المدارس النموذجية، فإن رؤية الوزارة لإصلاح التعليم ستتأثر بشكل كبير.
قلق متزايد لدى الأسر
من جانبه، نبّه رئيس جمعية لأولياء الأمور إلى أن استمرار حالة التوتر بين الوزارة والنقابات يضر في المقام الأول بمصلحة التلاميذ، داعيًا إلى ضرورة فتح قنوات الحوار لتجنب الإضرابات التي كانت لها تداعيات سلبية كبيرة على المستويين المالي والتحصيلي الدراسي.
وأضاف، أن الوقت الضائع للتعلم خلال الإضرابات السابقة أثر بشكل مباشر على جودة التعليم في المدارس العمومية، محذرًا من أن استمرار هذه الأزمة قد يقوض الجهود الإصلاحية التي تبذلها الوزارة، مما يستدعي التوافق بين جميع الأطراف لضمان استقرار المنظومة التربوية.
كما أعرب عن قلق الأسر من عودة الاحتجاجات، خاصة وأن المدارس العمومية بدأت تشهد بعض الاستقرار، معتبرًا أن الأولوية اليوم هي ضمان الجودة وتحقيق تكافؤ الفرص بين التعليمين العام والخاص، وهو ما يتطلب تجاوز الخلافات عبر حوار جاد ومسؤول.
وشدد على أن “إنهاء حالة الاحتقان يتطلب تنازل جميع الأطراف عن مواقفها المتصلبة، لأن استمرار الإضرابات يضر بالجميع، وخاصة التلاميذ الذين لا يجب أن يكونوا ضحية للخلافات القائمة”، مطالبًا النقابات والوزارة بإيجاد حلول عاجلة تحفظ استقرار السنة الدراسية وتؤمن مستقبل المتعلمين، فهم الضحية الأكبر في هذا الصراع.
مساعي الحوار مستمرة؟
تجدر الإشارة إلى أن الوزير المسؤول عن القطاع كان قد اجتمع مع التنظيمات النقابية الأكثر تمثيلًا في وقت سابق، في إطار اللجنة العليا للحوار الاجتماعي القطاعي، لمناقشة تنفيذ الاتفاقات السابقة وتتبع تنزيل النظام الأساسي الجديد.
وقد أكد الوزير خلال الاجتماع أن نسبة تنفيذ بنود النظام الأساسي الجديد تجاوزت نسبة كبيرة، مشيدًا بجهود اللجان المشتركة.
كما دعا إلى استمرار الحوار بين الوزارة والنقابات بنفس الروح الإيجابية، لضمان تنفيذ باقي الالتزامات وتحقيق الاستقرار في القطاع التعليمي.
وفي سياق متابعة نتائج هذا اللقاء، عُقد اجتماع آخر برئاسة مسؤول رفيع في الوزارة، خُصص لتقييم التقدم المحرز في تنفيذ النظام الأساسي والاتفاقات السابقة، وتم الاتفاق على عقد لقاءات أسبوعية لمواصلة معالجة الملفات العالقة.
يبقى السؤال المطروح: هل ستنجح هذه المساعي الحوارية في تهدئة الاحتقان وتجنب شبح “الشلل” الذي يهدد مستقبل التعليم، أم أن الأزمة تتجه نحو مزيد من التصعيد في ظل تصلب المواقف وتضارب المصالح؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.






