سياسة

تحقيق خاص: صفقات “كلوريد البوتاسيوم” تهز الثقة العامة.. لماذا تخشى الأغلبية البرلمانية “لجنة تقصي الحقائق”؟

أصبحت قضية استيراد دواء “كلوريد البوتاسيوم (KCL)” – الذي يُعد مادة حيوية ضرورية – نقطة انطلاق لأخطر مواجهة سياسية بين الأغلبية والمعارضة في البرلمان المغربي. فالقضية تجاوزت مجرد نقص في دواء لتصل إلى صلب شبهات تضارب مصالح تحيط بوزراء في الحكومة، ما وضع ثقة المواطنين في المؤسسات على المحك.

وفي ظل المطالب الملحة التي يرفعها حزب العدالة والتنمية لتشكيل لجنة تحقيق برلمانية مستقلة لتقصي الحقائق، يبرز سؤال جوهري يحيّر الرأي العام: لماذا يبدو الائتلاف الحكومي والأغلبية البرلمانية مترددين أو خائفين من تفعيل هذه الآلية الدستورية؟ هل هي مجرد مناورات سياسية، أم أن الخشية من انكشاف حقائق “غير مريحة” قد تمتد آثارها لتشمل مسؤولين كبار؟

I. وقائع “الخصاص والشبهة”: كيف انطلقت الأزمة؟

انطلقت شرارة الأزمة في نوفمبر 2025، عندما كشف رئيس مجموعة العدالة والتنمية بمجلس النواب، عبد الله بووانو، تفاصيل صفقة استيراد “كلوريد البوتاسيوم”. الدواء، الذي تم توريده من الخارج لتعويض خصاص في الإنتاج الوطني، أثيرت حوله شبهات خطيرة.

ملخص الشبهات:

  1. تضارب مصالح موثق: تم ربط الصفقة بشركات خاصة لها صلات بمسؤولين عموميين، بما في ذلك اتهامات مباشرة شملت الوزير المعني بالصحة، والوزير المسؤول عن قطاع الأدوية (برادة).

  2. غموض التراخيص المؤقتة (ATU): أكد النائب بووانو أن “بلاغ منتصف الليل” الصادر عن الوزارة رداً على الاتهامات كان “مليئاً بالعموميات والالتباسات”، ولم يقدم توضيحات حول تراخيص الاستيراد المؤقتة (ATU) التي لفت الصفقة بغموض كبير.

  3. أسعار البيع والمستفيدين: الشبهات تضمنت أيضاً أن عملية الاستيراد قد تكون تمت بأسعار غير عادلة، وأن أسماء المستفيدين الحقيقيين من مناقصات الاستيراد بقيت طي الكتمان.

الخلاصة: الوقائع تشير إلى أن تضارب المصالح المزعوم حدث في قطاع يتصل مباشرة بحياة المواطنين وصحتهم، مما رفع من حدة المطالب بالمحاسبة.

II. “المصباح” يطالب بالتطهير: نشر المحاضر ولجنة عاجلة

يعتبر حزب العدالة والتنمية أن هذه الوقائع تمثل “إهانة للمؤسسات وللثقة العامة”. لذا، صعد الحزب من مطالبه، جاعلاً من تشكيل لجنة تقصي الحقائق “أمراً عاجلاً جداً” لضمان عدم إفلات المتورطين من المحاسبة:

مطلب العدالة والتنمية (المحاسبة والشفافية) الهدف المباشر
تشكيل لجنة تحقيق برلمانية مستقلة كشف كل تفاصيل صفقات الأدوية، من ترخيص الاستيراد إلى المناولة وأسعار البيع، وكشف أسماء المستفيدين.
نشر محاضر التصويت والصفقات تحقيق شفافية كاملة حول مناقشات المناقصات العمومية، لتكون الوثائق متاحة للشعب وللرقابة.
مساءلة الوزراء المعنيين وإقالتهم التأكيد على أن استمرار الوزراء المتهمين بتضارب المصالح في مناصبهم يضرب الثقة في الحكومة.
إصلاح شامل لمنظومة الصفقات العمومية وضع قواعد صارمة لتفادي الاحتكار وضمان المنافسة النزيهة في قطاع حيوي.

III. لماذا تخاف الحكومة والأغلبية من لجنة تقصي الحقائق؟

تكمن قوة هذه الآلية الدستورية (لجنة تقصي الحقائق) في قدرتها على التحقيق المستقل وجمع الأدلة، متجاوزة الردود الحكومية الرسمية التي غالباً ما تكتفي بـ “العموميات”.

الخوف الحكومي والأغلبي من تفعيل هذه اللجنة يمكن تحليله من عدة زوايا:

1. الخشية من “تساقط الأوراق”

تخشى الأغلبية من أن يؤدي تحقيق شامل إلى كشف تورط مسؤولين لم يتم ذكر أسمائهم بعد. التحقيق البرلماني قد يفتح الباب أمام تحقيقات قضائية موازية، وقد تتجاوز نتائجه الدائرة الضيقة لوزارة الصحة لتمتد إلى جهات أخرى في الحكومة أو مؤسسات عمومية مرتبطة بالصفقات. هذه “الأوراق” قد تهز استقرار الائتلاف الحكومي بالكامل.

2. التضارب بين الريع والثقة العامة

تعد صفقات الأدوية في المغرب، تاريخياً، من المجالات التي يتركز فيها “الريع السياسي”، حيث تستفيد منها شبكات ضيقة من النفوذ. عدم المحاسبة يعني الإبقاء على منطق الربح والنفوذ بدلاً من مصلحة المواطن. الرفض الضمني لتشكيل اللجنة يُفسّر على أنه حماية لهذه “المحميات الخاصة” التي تُدار وفق منطق المصالح وليس الشفافية.

3. انهيار الثقة في الخطاب السياسي

إذا استمرت الحكومة في المماطلة أو الرفض، فإن ذلك يضرب مصداقية شعار “لا إفلات من المحاسبة” الذي ترفعه الدولة. الثقة العامة في الحكومة والمؤسسات، وخاصة البرلمان (باعتباره جهازاً رقابياً)، ستنهار أمام انطباع بأن المؤسسة التشريعية تعرقل محاسبة السلطة التنفيذية، لحماية مصالحها.

IV. الموقف الرسمي: “لا إفلات من المحاسبة” تحت الاختبار

في بيان رسمي عقب اجتماع أمانة حزب العدالة والتنمية بتاريخ 27 نوفمبر 2025، تم التأكيد على أن “تضارب المصالح في صفقات الأدوية لا يمكن أن يمر مرور الكرام”. هذا الموقف يعكس إصرار المعارضة على أن الثقة هي رأسمال الدولة.

إن قطاع الأدوية يتصل بحياة المواطنين وصحتهم. لذا، فإن الشبهات لا تعني فقط ارتفاع الأسعار، بل قد تعني أن المادة الحيوية وصلت بشكل غير آمن أو غير كافٍ.

 إن الكرة الآن في ملعب الأغلبية البرلمانية. الإصرار على عدم تشكيل لجنة تقصي الحقائق قد يدفع الرأي العام إلى استنتاج واحد وواضح: أن الحكومة والأغلبية ليستا مستعدتين لكشف الحقائق كاملة، وأن المخاوف من انكشاف التورط أو تضارب المصالح تفوق الرغبة في صون الثقة العامة والنزاهة المؤسسية. الثقة إما أن تُبنى بالشفافية والمحاسبة، أو تنهار بالغموض والمماطلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى