“تبوريدة المال العام”:”الدعاية الانتخابية المبطنة”.. هل تتحول مواسم الأصالة إلى “بؤرة عبث سياسي”؟

في كل صيف، ومع ختام مواسم الحصاد، ومع إقتراب الأعياد الوطنية التي يتخذونها كمطية ، تنتعش في مختلف الجماعات الترابية بالمغرب روح “التبوريدة” أو “الفنتازيا”. مناسبات تراثية عريقة، أُدرج بعضها ضمن قائمة اليونسكو، تتحول اليوم إلى محور جدل محتدم. فبين عشاق الأصالة ومناصري التراث، ترتفع أصوات محذرة من “استغلال سياسي” و”هدر للمال العام” يتهدد جوهر هذه الاحتفالات. هل أصبحت مواسم التبوريدة الرسمية “بؤرة عبث سياسي” تستدعي تدخلاً حازمًا من وزارة الداخلية؟
ميزانيات ضخمة وشبهات “سندات الطلب”
تشير تقارير وتحقيقات صحفية متزايدة إلى أن مواسم التبوريدة، التي تُقام تحت إشراف الجماعات المحلية، تستهلك ميزانيات ضخمة من المال العام. ميزانيات يرى كثيرون أنها تتجاوز بكثير مجرد الاحتفاء بالتراث. ففي الوقت الذي تعاني فيه عدد من الجماعات القروية والحضرية من نقص حاد في البنية التحتية والخدمات الأساسية كالماء الصالح للشرب والصحة والتعليم، تُصرف ملايين الدراهم على فعاليات غالباً ما توصف بـ”الترفيهية”.
ويُعدّ ملف “سندات الطلب والصفقات” الشغل الشاغل للعديد من المتتبعين والمنتخبين. فثمة اتهامات متكررة لرؤساء جماعات بإبرام صفقات مباشرة وسندات طلب بأسعار مبالغ فيها، وتمريرها لشركات معينة، قد تكون على صلة قرابة أو مصالح مع هؤلاء المسؤولين. هذا الوضع يفتح الباب واسعاً أمام شبهات تضارب المصالح والفساد المالي، ويُفرغ مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة من أي معنى.
يقول أحد الفاعلين الجمعويين في تصريح لجريدتنا الرقمية: “لا يمكن أن نقبل أن تتحول هذه المواسم العريقة إلى مجرد واجهة لتبديد أموال دافعي الضرائب. الناس هنا بحاجة للماء، للطرق، للمستشفيات، للمدارس، وليس لمهرجانات تكلف الملايين وتخدم أجندات شخصية”.
إلهاء “مكشوف”: مواسم التبوريدة تغطي على فشل الخدمات الأساسية؟
في خضم هذا الجدل، يذهب المنتقدون أبعد من مجرد شبهات الفساد والاستغلال السياسي، ليؤكدوا أن هذه المواسم تُعدّ أداة “إلهاء مكشوفة” للساكنة. ففي العديد من الجماعات، تتحول الفنتازيا والاحتفالات الصاخبة إلى ستار يغطي على فشل ذريع في تدبير الشأن المحلي. مواطنون يعانون يومياً من تراكم الأزبال المنزلية في الشوارع والأحياء، وغياب شبه كلي للمرافق الأساسية من مستوصفات ومؤسسات تعليمية وطرق معبدة وشبكات صرف صحي. “لقد أعيتنا نار الاستغاثة وأقهرتنا المسيرات الغاضبة، لكن لا حياة لمن تنادي”، يقول مواطن من إحدى الجماعات المتضررة. يرى هؤلاء أن المنتخبين، بعد أن عجزوا عن تقديم حلول حقيقية للمشاكل اليومية التي تئن تحت وطأتها الساكنة، يلجأون إلى “فقاعات” ترفيهية قصيرة الأمد، لتقديم صورة زائفة عن “الرخاء” والتنمية، في محاولة لاستمالة أصوات الناخبين وتغطية عجزهم عن الوفاء بوعودهم الانتخابية.
“الدعاية المبطنة”: مواسم انتخابية سابقة لأوانها؟
بعيداً عن الجانب المالي، تثير مواسم التبوريدة تساؤلات جدية حول دورها كـ”منصة سياسية” تُستغل لاستمالة الكتلة الناخبة، خاصة مع قرب الاستحقاقات الانتخابية. فبدل أن تكون مجرد احتفالات شعبية، تتحول هذه المناسبات إلى تجمعات جماهيرية ضخمة يُستغل فيها الحضور الكثيف لخدمة أغراض انتخابية واضحة.
يُشاهد رؤساء الجماعات والمنتخبون يتنافسون على الظهور في هذه المواسم، وبعضهم لا يتردد في توزيع هدايا رمزية أو تمرير رسائل سياسية موجهة خلال الكلمات الافتتاحية أو الفعاليات المصاحبة. هذه الممارسات، التي يصفها البعض بـ**”الدعاية الانتخابية المبطنة”**، تحول المواسم التراثية إلى ما يشبه “التجمعات الانتخابية سابقة لأوانها”، مما يؤثر على نزاهة المشهد السياسي المحلي.
هذا التسابق المحموم على تنظيم مواسم “فاخرة” يُعد، في نظر العديد من المحللين السياسيين، مؤشراً على سعي بعض المنتخبين لتعزيز شعبيتهم أو حتى تغيير ولاءاتهم الحزبية قبيل المواعيد الانتخابية، على حساب المشاريع التنموية الحقيقية.
نداء للداخلية: “أوقفوا العبث السياسي!”
في ظل هذه المعطيات المقلقة، تتزايد الدعوات الموجهة إلى مصالح وزارة الداخلية وإلى المجالس الجهوية للحسابات للتدخل العاجل والحازم. يطالب نشطاء وجمعيات المجتمع المدني بتشديد الرقابة المالية والإدارية على ميزانيات الجماعات المخصصة لهذه المواسم.
ويؤكد هؤلاء على ضرورة وضع معايير واضحة وشفافة لتمويل وتنظيم هذه الاحتفالات، بما يضمن عدم استغلالها لأغراض شخصية أو انتخابية. كما يدعون إلى توجيه الإنفاق العمومي نحو الأولويات التنموية التي تخدم المواطنين بشكل مباشر، بدلاً من الترفيه الذي يُصرف عليه ببذخ.
“لقد حان الوقت لوقف هذا العبث السياسي والمالي الذي يسيء لسمعة التراث ويضر بمصالح المواطنين”، يؤكد أستاذ في القانون العام، مضيفًا: “وزارة الداخلية مطالبة اليوم بمسؤولية تاريخية لإعادة الأمور إلى نصابها، وضمان أن يظل المال العام في خدمة الصالح العام، وأن تبقى التبوريدة رمزًا للأصالة، لا للمصالح الضيقة.”
هل ستستجيب وزارة الداخلية لهذه الدعوات المتزايدة؟ وهل ستشهد المواسم القادمة تطبيقاً صارماً للقوانين التي تمنع استغلال المال العام لأغراض سياسية وشخصية؟ الترقب سيد الموقف.






