الحكم بـ20 سنة على طبيب فاس الذي استباح أجساد نساء المدينة… سقوط مدوٍّ في واحدة من أخطر القضايا الجنائية

أسدلت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بـ فاس الستار على واحدة من أخطر القضايا الجنائية التي هزّت الرأي العام المحلي خلال السنة الجارية، بإصدارها حكماً بالسجن النافذ لمدة عشرين سنة في حق طبيب مختص في الاضطرابات النفسية وعلاج الإدمان، بعد متابعته بتهم ثقيلة تتعلق بالاتجار بالبشر، واستغلال الهشاشة، وتسهيل استعمال المخدرات القوية، في ملف بات يُعرف إعلامياً بـ“شبكة الطبيب النفسي”.
الأحكام الصادرة لم تكن رمزية، بل حملت طابعاً زجرياً واضحاً يعكس خطورة الأفعال المرتكبة، ورسالة قضائية حازمة مفادها أن استغلال المهنة، خاصة حين ترتبط بصحة المرضى النفسية، يشكل ظرفاً مشدداً لا يمكن التساهل معه.
عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية ثقيلة
الهيئة القضائية، برئاسة المستشار محمد بنمعاشو، أدانت المتهم الرئيسي بعشرين سنة سجناً نافذاً، مع تغريمه مبلغ 200 ألف درهم. كما توزعت باقي الأحكام على متهمين آخرين وردت أسماؤهم في الملف:
-
ست سنوات سجناً نافذاً وغرامة 10 آلاف درهم في حق مصور فوتوغرافي.
-
خمس سنوات سجناً نافذاً وغرامة 50 ألف درهم في حق ابن عم الطبيب.
-
سنة واحدة حبسا نافذاً في حق ممرض، ومواطن أجنبي كان يسير رياضاً بالمدينة العتيقة، إضافة إلى موظفة تعمل بالفضاء ذاته.
-
ستة أشهر حبسا نافذاً في حق أستاذ جامعي.
تدرج العقوبات يعكس، وفق منطوق الحكم، اختلاف درجات التورط والمسؤولية الجنائية بين المتابعين، مع تحميل كل طرف نصيبه من الأفعال الثابتة في الملف.
تعويضات مدنية للضحايا
في الشق المدني، قضت المحكمة بتعويضات مالية مهمة لفائدة المشتكيات. إذ ألزمت الطبيب بأداء 100 ألف درهم لفائدة الضحية الأولى، مع تحميل ابن عمه والمصور تعويضاً تضامنياً قدره 40 ألف درهم.
أما الضحية الثانية، فحكمت لها المحكمة بتعويض قدره 200 ألف درهم يؤديه المتهم الرئيسي، إضافة إلى 60 ألف درهم تضامنية في مواجهة المصور وصاحب الرياض والموظفة العاملة به.
هذه التعويضات اعتُبرت جزءاً من جبر الضرر، وإن كان كثيرون يرون أن الضرر النفسي والاجتماعي في مثل هذه القضايا يتجاوز أي تقدير مالي.
كيف تفجّرت القضية؟
تعود خيوط الملف إلى يونيو من السنة الماضية، عندما باشرت الفرقة الجهوية للشرطة القضائية بولاية أمن فاس تحقيقاتها بناءً على شكاية تقدمت بها زوجة الطبيب. التحقيقات كشفت معطيات صادمة، من بينها استغلال المتهم لصفته المهنية لاستدراج مريضات يعانين من اضطرابات نفسية، في سياق علاقات ووقائع اعتبرتها النيابة العامة أفعالاً مجرّمة تدخل ضمن جرائم الاتجار بالبشر واستغلال حالة الضعف.
كما تضمن الملف اتهامات بتسهيل استعمال مواد مخدرة قوية داخل سياق علاجي مشبوه، وهو ما عمّق خطورة المتابعة القضائية، خاصة أن الضحايا كنّ في وضعية هشاشة نفسية، ما يجعل عنصر الاستغلال قائماً بقوة في التكييف القانوني.
قاضي التحقيق كان قد أحال المتهم الرئيسي ومن معه على غرفة الجنايات بتهم ثقيلة، قبل أن تنطلق جلسات محاكمة استمرت أشهراً، شهدت مرافعات مطولة ومطالب بتشديد العقوبة نظراً لخطورة الأفعال.
صدمة أخلاقية ومهنية
القضية لم تكن مجرد ملف جنائي عادي، بل شكلت صدمة قوية داخل الرأي العام بفاس، لأن المتهم كان يمارس مهنة يفترض فيها الأمانة والسرية والرعاية النفسية. استغلال “الرداء الأبيض” لأغراض إجرامية، وفق ما خلص إليه الحكم الابتدائي، هزّ ثقة شريحة واسعة من المواطنين في بعض الممارسات الطبية الخاصة، وأعاد النقاش حول آليات المراقبة والتتبع داخل القطاع.
كما أعادت القضية طرح أسئلة أوسع:
-
هل تخضع المصحات والعيادات الخاصة لمراقبة دورية صارمة؟
-
ما مدى نجاعة آليات التبليغ عن التجاوزات المهنية؟
-
وكيف يمكن حماية المرضى النفسيين من أي استغلال محتمل؟
رسالة قضائية حازمة… والملف لم يُغلق بعد
الحكم الصادر ابتدائياً يُعد من بين أقسى الأحكام في قضايا مماثلة على المستوى المحلي، ويعكس توجهاً قضائياً صارماً تجاه جرائم استغلال الهشاشة والاتجار بالبشر. غير أن القرار يظل قابلاً للطعن وفق المساطر القانونية، ما يعني أن فصول القضية قد تمتد إلى المرحلة الاستئنافية.
في انتظار ما ستسفر عنه التطورات المقبلة، يبقى الثابت أن محكمة الاستئناف بفاس وجّهت رسالة واضحة: لا حصانة لمهنة، ولا غطاء اجتماعياً أو أكاديمياً يمكن أن يحجب المسؤولية الجنائية حين يتعلق الأمر بكرامة الإنسان وسلامته.
إنه حكم ثقيل أسدل الستار على مرحلة، لكنه فتح في المقابل نقاشاً عميقاً حول الثقة، والأخلاق المهنية، وحماية الفئات الهشة داخل المجتمع.






