صحة

أكديطال: المفترس في عالم الصحة.. حين يتحول المرض إلى استثمار على حساب الفقراء والمال العام

لم يعد الأمر مجرد توسع استثماري في قطاع الصحة الخاص، بل بات مشهداً مكتملاً لـسيطرة “مفترس” رأسمالي واحد على شريان حياة المغاربة. مجموعة أكديطال، التي تتمدد في المشهد الصحي المغربي بسرعة مذهلة، ليست مجرد قصة نجاح مالي، بل هي في جوهرها انعكاس صارخ لـانهيار الخدمة الصحية العمومية وتواطؤ غير معلن على توجيه المال العام مباشرة نحو استثمارات خاصة. في مغرب يعاني فيه المواطن من هشاشة اقتصادية متصاعدة، تحوّل مرض الفقير إلى أرباح صافية تتربع على عرش البورصة، في حين تقف الحكومة متفرجة، بل ومسهلة، لهذا التحول الخطير.

صناديق الضمان الاجتماعي: محفظة استثمارية مغلقة لأكديطال

إن التحليل الأعمق لأرقام المجموعة يزيح الستار عن الآلية الحقيقية التي تغذي هذا الصعود الصاروخي. التقرير المالي الصادر عن BKGR يكشف أن أكثر من ثلثي مداخيل أكديطال، أي نحو 67%، لا تأتي من المنافسة الشريفة أو جذب “زبائن أثرياء”، بل تتدفق مباشرة من جيوب المغاربة عبر صناديق الضمان الاجتماعي والتأمين الإجباري عن المرض (AMO). هذا يعني بوضوح أن مصدر ثراء هذه المجموعة هو اقتطاعات العمال والموظفين التي تُدفع قسرًا، والمال العام الذي يُضخ لإنقاذ الصناديق من العجز. إن هذا الوضع يكرس نموذجًا فريدًا من نوعه: المخاطرة صفر، والتمويل مضمون 100% من أموال دافعي الضرائب والطبقة العاملة. وما دام الصندوق الحكومي هو الدافع الأكبر، فما الذي سيمنع المصحات الخاصة من تضخيم الفواتير بلا رقيب ولا حسيب، وتكديس الأرباح على حساب استنزاف الاحتياطات الوطنية؟

توسّع الألغام: هل تُموّل الدولة خصخصة القطاع الصحي؟

الوتيرة الهائلة لنمو أكديطال، التي تخطط للانتقال من 39 مصحة اليوم إلى 62 مصحة بحلول عام 2027، ومن 3700 سرير إلى أكثر من 4400 سرير، لا يمكن تفسيرها بـ “دينامية السوق العادية”. هذا التمدد ليس استثمارًا عاديًا، بل هو احتلال ممنهج للمجال الحيوي الصحي، مما يثير تساؤلات جدية حول التسهيلات والامتيازات التي تحصل عليها المجموعة خلف الأبواب المغلقة. هل نشهد بالفعل صناعة رأسمالية خاصة مدعومة بشكل غير مباشر من اللوبيات وأصحاب القرار؟ صمت الحكومة أمام هذا التمدد، ورفضها التدخل لتقنين الفواتير وحماية المرضى من منطق “ادفع وإلا الموت”، يُفهم على أنه ضوء أخضر رسمي لـخصخصة مقنّعة للقطاع الصحي يتم تمويلها بأموال المواطنين أنفسهم، في عملية تحويل ممنهج للثروة من جيوب المغاربة إلى خزائن الملاك الخواص.

شبكة النفوذ والشفافية المغيبة: المريض بين سندان المرض ومطرقة الأسعار

تتزايد الأسئلة الشعبية والإعلامية حول هوية المساهمين الفعليين والنفوذ السياسي والاقتصادي الذي تتمتع به المجموعة، مما جعلها تتفوق على أي منافس آخر وتتحول من شركة خاصة إلى قاطرة مهيمنة على سوق العلاج. هذا الغموض المريب حول تقاطع المصالح ليس مجرد “شائعات”، بل هو نتيجة مباشرة لغياب الشفافية حول الامتيازات الممنوحة. القطاع الصحي العام يعاني من نقص الأطر والعتاد، بينما تُفتح الأبواب والموارد على مصراعيها للمستثمر الخاص الذي يقدم العلاج كـسلعة فاخرة. لقد صار المريض المغربي رهينة بين سندان المرض ومطرقة الأسعار، حيث تُحوّل خدمة إنقاذ حياته إلى معاملة بورصوية تضمن الحد الأقصى من الأرباح للمفترس الجديد. لقد حان الوقت لتغيير المعادلة: صحة المغاربة ليست سوقاً للأرباح، بل هي التزام وطني وأخلاقي يجب أن تعود فيه الدولة إلى دورها كضامن رئيسي للحق في العلاج المجاني والكريم للجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى