سياسة

بين قدسية اللحظة وسقوط الممارسة: حين يتحول “الميكروفون” إلى أداة هرولة

في مشهد يثير أكثر من علامة استفهام، عرفت ليلة أمس، التي تصادف ليلة القدر، سلوكًا إعلاميًا لا يمت بصلة لجوهر العمل الصحفي ولا لرسالة الإعلام النبيلة. فقد انشغلت بعض المنابر لجهةةفاس مكناس، أو بالأحرى بعض من يقتاتون على هامش المهنة، ببث مباشر لتحركات مسؤولين ترابيين—من عمال أقاليم وولاة جهات—وهم في طريقهم إلى المساجد، في تغطية أقرب إلى الاستعراض منها إلى الخبر.

أي منطق صحفي هذا الذي يجعل من تحرك عادي لمسؤول حدثًا يستدعي المطاردة والتتبع وكأننا أمام واقعة استثنائية؟ وأي قيمة مضافة تُقدم للمواطن حين يتحول “الخبر” إلى مجرد نقل مباشر لخطوات مسؤول يؤدي واجبًا دينيًا كغيره من المواطنين؟

إن هذا السلوك لا يسيء فقط إلى صورة الصحافة، بل يضرب في العمق مصداقيتها، ويكرّس حالة من التمييع المهني التي أصبح يعيشها القطاع. فالصحافة، في جوهرها، ليست عدسة تلاحق الأشخاص، بل سلطة معنوية تنقل ما يفيد الرأي العام، وتسلط الضوء على القضايا الحقيقية، وتطرح الأسئلة الجوهرية التي تهم المجتمع.

لقد كان من المفترض، في ليلة ذات رمزية دينية وروحية عالية، أن ينصب الاهتمام الإعلامي على أجواء التعبد، أو المبادرات الاجتماعية، أو القضايا التي تشغل المواطن في يومه وواقعه. لكن ما حدث يكشف عن انزلاق خطير نحو صحافة الاستهلاك السريع، حيث يغيب التحرير لصالح الهرولة، وتُستبدل المهنية بالاستعراض.

إن أخلاقيات المهنة واضحة ولا تحتمل التأويل: نقل الخبر بدقة، تحري المصداقية، خدمة الصالح العام، والترافع عن الثوابت الوطنية. وهي مبادئ لا يمكن أن تتحقق في ظل ممارسات تجعل من “الميكروفون” أداة لملاحقة السيارات الرسمية بدل أن يكون وسيلة لطرح القضايا الحقيقية.

وإذا كان من حق المسؤول أن يؤدي واجبه الديني في هدوء، فمن واجب الصحفي أن يميز بين ما هو خبر وما هو مجرد حدث عابر لا يستحق التضخيم. فليس كل تحرك يُنقل، ولا كل صورة تُبث، ولا كل لحظة تستحق أن تُحوّل إلى “بث مباشر”.

لقد عرف الإعلام في زمن مضى نماذج رصينة، كانت الكلمة فيها مسؤولية، والخبر أمانة، والممارسة قائمة على الوعي والالتزام. أما اليوم، فنحن أمام واقع يجر معه خيبات متراكمة، حيث يتصدر المشهد أشباه صحفيين، كلٌّ يغرد في “ميكروفونه”، دون بوصلة مهنية أو إدراك لرسالة الإعلام.

إن الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى، ليست فقط إلى تقنين القطاع، بل إلى إعادة الاعتبار لقيم الصحافة الحقيقية: الاستقلالية، الجدية، وخدمة القضايا الوطنية بعيدًا عن العبث والتفاهة. لأن الإعلام، حين يفقد بوصلته، لا يضل الطريق وحده، بل يضلل معه الرأي العام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى