أش واقع: زلزال المحاسبة في عهد “الجدية” وربط المسؤولية بالمحاسبة.. زمن الحصانة السياسية انتهى!

لم يكن الحكم القضائي الثقيل بإدانة وزير سابق ورئيس جماعة لثلاث عشرة سنة سجناً نافذاً مجرد عنوان عابر في الصفحات الجنائية، بل كان بمثابة الهزة الارتدادية التي أعلنت رسمياً عن دخول المغرب عهداً جديداً لا خطوط حمراء فيه. إنه العصر الذي صاغ جلالة الملك محمد السادس معالمه بصرامة بالغة تحت عنوان واحد: “الجدية”؛ تلك البوصلة الملكية التي دكت حصون التراخي، وأنهت وإلى الأبد عهد “التبوريدة” السياسية والاستقواء بالمناصب والانتخابات للاغتناء السريع.
لسنوات طويلة، تعاملت بعض النخب السياسية مع المرفق العام وكأنه “ضيعة خاصة” تدرّ ذهباً، واطمأن كثيرون إلى أن صكوك الحصانة البرلمانية و الوزارية و الحزبية تضمن لهم الإفلات الدائم من العقاب، محولين المبدأ الدستوري لربط المسؤولية بالمحاسبة إلى مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي. لكن “الزلزال” القضائي الحالي، المسنود بإرادة ملكية حاسمة وتحقيقات دقيقة للأجهزة الرقابية والفرقة الوطنية، جاء ليؤكد أن صندوق الحماية قد كُسر، وأن المقصلة القانونية باتت معلقة فوق رقاب الجميع: من الوزير في مكتبه المكيف بالعاصمة، إلى رئيس أبعد جماعة ترابية في المغرب العميق.
زلزال “الجدية” ينهي زمن الريع والتبوريدة
عندما جعل جلالة الملك من “الجدية” منهجاً ملزماً لتدبير الشأن العام، كان يضع حداً قاطعاً للعبث والارتجالية. فالجدية في مغرب اليوم، مغرب الأوراش الكبرى والتحديات الاستراتيجية العالمية، تعني أنه لم يعد هناك مكان للمواقف الرمادية أو “أنصاف المسؤولين”. إما كفاءة ونظافة يد في خدمة الوطن، أو التنحي.. ومن سولت له نفسه مد يده إلى مقدرات المغاربة، فإن حبال العدالة كفيلة بجره من كرسيه الوثير إلى رطوبة الزنازين.
هذا التدفق التطهيري هو بمثابة “التمرين الصحي” الذي طال انتظاره لإعادة الثقة في المؤسسات. لقد سئم الرأي العام الوطني من رؤية مشاهد مقززة لـ “نخب القفز السريع”؛ أولئك الذين ولجوا معترك السياسة والتسيير بجيوب فارغة وسير ذاتية بئيسة، ليتسلقوا الهرم ويتحولوا في رمشة عين إلى مليارديرات وأصحاب عقارات وفنادق فخمة ومقاهٍ فاخرة شركات و مقاولات عملاقة و الذي يجب أن يصلهم سيف العدالة عاجلا أم أجلا، مشيدين ثروات قارونية على حساب أنقاض مدن منكوبة وفقر حواضر هُمّش سكانها.
“البورجوازية النهمة” في قفص الاتهام
إن تتبع مسارات العديد من الأسماء التي تتهاوى اليوم خلف القضبان يكشف عن قاسم مشترك لظاهرة خطيرة يمكن تسميتها بـ “البورجوازية النهمة”. هم أشخاص جاؤوا من الهوامش ومن مهن بسيطة ومحترمة في أصلها، لكن الجشع والجوع المالي الأعمى قادهم بمجرد الجلوس على كراسي التدبير المحلي والإقليمي إلى التهام كل شيء: الصفقات العمومية، تفويت الأراضي بغير حق، وشفط ريع المقالع والشواطئ، وحتى ميزانيات البنيات التحتية الحيوية إستباحت في زمن الغدر و خيانة العهد و القسم.
والمفارقة الصارخة أن هذا الصنف من “المنتفعين” لم يكتفِ بنهب ثروات الجماعات والبلديات، بل حاول بعضهم التغطية على جرائمهم المالية بالركض نحو قبة البرلمان أو رئاسة لجان التشريع، مستعملين السيارات الرسمية والشارات الدبلوماسية كدروع واقية لطمس معالم التحقيقات وإغلاق الأفواه. لكن “الجدية” الملكية حسمت المعركة؛ فلا النفوذ المالي ينفع، ولا التموقع الحزبي يشفع، أمام قضاء مستقل بات يزن المسؤولين بميزان القانون ونظافة الذمة فقط.
خيار استراتيجي لا رجعة فيه
المغرب اليوم يقف على عتبة مرحلة تاريخية فارقة، وقيادة مشاريع تنموية عملاقة من طنجة إلى الكويرة تتطلب رجالات تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ولا مكان فيها للمبتزين أو الانتهازيين الذين يتربصون بالمال العام لتسمين حساباتهم البنكية.
إن الرسالة الصارمة التي يبعث بها العهد الملكي الزاهر واضحة لا لبس فيها: المحاسبة خيار استراتيجي للدولة ومسار مستدام لن يستثني أحداً. وأرصدة أولئك “النهمين” وممتلكاتهم التي حُجزت وجُمدت بأوامر قضائية هي الدليل القاطع على أن دولة الحق والقانون قد استعادت زمام المبادرة. فبين معتقل يقضي عقوبته، ومتابع ينتظر مصيره في ردهات المحاكم، يتأكد للجميع أن زمن الإفلات من العقاب قد ولى إلى غير رجعة، وأن الوطن لم يعد بقرة حلوباً لأي كان.






