سياسة

من “سنوات الجمود” إلى “مرحلة الجرأة”: كيف فكّكت حكومة أخنوش إرث العدالة والتنمية وأنصفت طلبة الطب ورفعت الأجور؟

في سياق دينامية إصلاحية متسارعة، صادق مجلس الحكومة المنعقد اليوم الخميس برئاسة رئيس الحكومة عزيز أخنوش على جملة من القرارات التي تعكس بوضوح انتقال المغرب إلى مرحلة جديدة من التدبير العمومي، عنوانها الحسم في الملفات الاجتماعية الكبرى وتسريع تنزيل إصلاحات ظلت لسنوات رهينة التأجيل. ويأتي في صدارة هذه القرارات مشروع المرسوم رقم 2.26.342 المتعلق بوضعية طلبة كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان، إلى جانب تأكيد معطيات مالية غير مسبوقة بخصوص كلفة الحوار الاجتماعي، وهو ما يضع هذا الاجتماع في قلب التحولات الجارية على مستوى بناء الدولة الاجتماعية وفق توجيهات ملكية سامية تروم إرساء نموذج تنموي أكثر إنصافاً وتوازناً.

إنصاف طلبة الطب: من الاحتقان المزمن إلى التقنين المؤسسي
يشكل مشروع المرسوم المتعلق بطلبة الطب نقطة تحول نوعية في تدبير واحد من أكثر الملفات حساسية داخل المنظومة الصحية، حيث ظل هذا الملف لسنوات عنواناً للاحتقان بسبب غياب إطار قانوني واضح ينظم وضعيات الطلبة المتدربين والملاحظين والخارجيين والداخليين والمقيمين داخل المؤسسات الصحية. وقد جاء هذا النص التنظيمي ليؤسس لمرحلة جديدة قائمة على الوضوح القانوني والاعتراف المؤسسي بدور هذه الفئة، في انسجام مع ورش إصلاح المنظومة الصحية الذي يعتمد على إحداث المجموعات الصحية الترابية كآلية حديثة للحكامة والتدبير. ولا يمكن فصل هذا القرار عن الإرادة الحكومية الرامية إلى إعادة الثقة داخل كليات الطب، وربط التكوين الطبي بحاجيات المنظومة الصحية، بما يضمن جودة الخدمات الصحية مستقبلاً ويُحصّن القطاع من أزمات متكررة عاشها خلال السنوات الماضية.

الحوار الاجتماعي ورفع الأجور: كلفة مالية مرتفعة برهان اجتماعي قوي
في موازاة ذلك، كشف الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس أن كلفة الإجراءات المنبثقة عن الحوار الاجتماعي بلغت أزيد من 48 مليار درهم مع نهاية سنة 2026، مع توقع ارتفاعها إلى نحو 49.7 مليار درهم خلال سنة 2027، وهي أرقام غير مسبوقة في تاريخ السياسات الاجتماعية بالمغرب. وتعكس هذه المعطيات تحوّلاً جذرياً في التعاطي مع ملف الأجور، حيث انتقلت الحكومة من منطق التحكم في الكلفة إلى منطق الاستثمار في الاستقرار الاجتماعي، من خلال زيادات مباشرة في الأجور ومراجعة الضريبة على الدخل، بما ساهم في دعم القدرة الشرائية لفئات واسعة من الموظفين. ويؤكد هذا التوجه أن الحكومة وضعت الطبقة العاملة في صلب أولوياتها، باعتبارها ركيزة أساسية في تحريك الاقتصاد الوطني وتعزيز التماسك الاجتماعي.

قراءة في الإرث السابق: عقد من التراكمات وصعوبة الإصلاح المؤجل
لفهم عمق هذه التحولات، لا بد من استحضار السياق الذي اشتغلت فيه الحكومة الحالية، حيث ورثت تركة ثقيلة من الاختلالات والتراكمات التي تعود إلى فترة تدبير حزب العدالة والتنمية، بقيادة كل من عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني. وقد تميزت تلك المرحلة، التي امتدت لعشر سنوات،و هي إتسمت بالعشرية العجاف،من خلال تأجيل عدد من الإصلاحات الهيكلية، واستمرار الاحتقان في قطاعات حيوية، فضلاً عن جمود الأجور في سياق اقتصادي صعب، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية وتنامي الإحساس بالضغط الاجتماعي. كما عرفت تلك الفترة غياب تنزيل فعلي لعدد من الأوراش الكبرى التي ظلت لسنوات ضمن دائرة الوعود، دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ، الأمر الذي عمّق الفجوة بين الانتظارات المجتمعية والسياسات العمومية المنجزة.

حكومة أخنوش ومنطق القطيعة: تسريع الإصلاحات وتحمل كلفة القرار
أمام هذا الإرث المعقد، اختارت حكومة عزيز أخنوش اعتماد مقاربة مغايرة تقوم على الحسم في الملفات العالقة بدل ترحيلها، وعلى تنزيل الإصلاحات الكبرى في آجال زمنية مضبوطة رغم كلفتها المالية المرتفعة. ويتجلى ذلك في تفعيل ورش الحماية الاجتماعية، وتعميم التغطية الصحية الإجبارية، وإطلاق برامج الدعم الاجتماعي المباشر، إلى جانب إصلاح المنظومة الصحية وإعادة هيكلتها. وتندرج هذه الإجراءات ضمن رؤية استراتيجية تستلهم التوجيهات الملكية السامية، التي جعلت من بناء الدولة الاجتماعية خياراً لا رجعة فيه، ووضعت الإنسان في قلب السياسات العمومية. كما تعكس هذه المقاربة استعداد الحكومة لتحمل كلفة الإصلاح سياسياً ومالياً، في مقابل تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.

من تدبير الأزمة إلى بناء نموذج اجتماعي جديد
تكشف مخرجات الاجتماع الحكومي الأخير أن المغرب في عهد حكومة أخنوش قررت الانتقال من مرحلة اتسمت بتدبير الأزمات وتأجيل الحلول إلى مرحلة جديدة قوامها الحسم في القرارات وبناء نموذج اجتماعي أكثر توازناً. فبين إرث ثقيل خلفته سنوات من التراكمات، ورهانات كبرى تفرضها التحولات الاقتصادية والاجتماعية، تواصل الحكومة الحالية تثبيت معالم مسار إصلاحي عميق يتجاوز منطق التدبير الظرفي نحو إرساء إصلاحات بنيوية عابرة للحكومات. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار ما يجري اليوم ليس مجرد تدبير يومي للشأن العام، بل إعادة صياغة تدريجية للعقد الاجتماعي، حيث تصبح العدالة الاجتماعية والكرامة الاقتصادية في صلب الفعل العمومي، وهو ما يمنح هذه المرحلة طابعاً استثنائياً في تاريخ السياسات العمومية بالمغرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى