بين “أرقام” الكروج و”آلام” الفلاح: هل تحوّل تقنين “الكيف” إلى قلعة للمحسوبية وشبح للإفلاس؟

خرج محمد الكروج، المدير العام للوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي، مؤخراً بلغة “الأرقام القياسية” ليرسم لوحة وردية عن قطاع يراه الكثيرون غارقاً في الاختلالات. فبينما يتحدث البلاغ الرسمي عن تصدير 141 منتجاً دوائياً وتجاوز المساحة المزروعة لـ 3000 هكتار، تئن القواعد الخلفية للمشروع تحت وطأة “واقع” مغاير تماماً، قوامه الإقصاء، المحسوبية، وشبح الإفلاس.
تخمة الأرقام وجوع الميدان
يتباهى الكروج بإصدار أكثر من 4147 رخصة جديدة في سنة واحدة، وبلوغ الإنتاج الجاف قرابة 20 ألف قنطار. لكن، خلف هذه “البروباغندا” الرقمية، يواجه الفلاح البسيط في الجبال مرارة الخيبة؛ فالفلاح الذي كان يُفترض أن يكون حجر الزاوية في التقنين، ما زال يتخبط في مشاكل التمويل، وغياب المواكبة التقنية، وضبابية مسالك التوزيع. الأرقام في وادٍ، ومعاناة المزارع الذي يواجه عقود شراء “مجحفة” في وادٍ آخر، مما يطرح تساؤلاً مشروعاً: لمن يُزرع هذا الكيف إذا كان الفلاح لا يزال يرزح تحت الفقر؟
شبهات المحسوبية.. رخص على المقاس؟
أحد أخطر الملفات التي تفوح منها رائحة الاختلالات هو ملف “رخص الاستثمار”. حيث تتصاعد الأصوات المنتقدة لسياسة الوكالة في منح التراخيص، وسط اتهامات صريحة بوجود “محسوبية” وانتقائية تخدم فئات محظوظة ومستثمرين “نزلوا بالمظلات” على القطاع. هذا التوزيع غير العادل جعل مشروع التقنين يتحول من “فرصة تنموية” للمناطق المهمشة إلى “ريع جديد” يستفيد منه أصحاب النفوذ الذين استقدمهم تيار “رئيس الحكومة”، في حين يُترك المبدعون والشباب لمواجهة البيروقراطية القاتلة.
مقاولات تحتضر.. والتجارة الرقمية “مسكن آلام”
يتحدث الكروج عن 600 نقطة بيع، لكن الحقيقة الصادمة هي أن العديد من المقاولات والوحدات التحويلية تواجه اليوم شبح الإفلاس الرسمي. لقد فشلت الوكالة في إيجاد أسواق حقيقية لتصريف المنتج، مما جعل أصحاب الوحدات الصناعية يكتفون بعرض منتجات تجميلية ومكملات غذائية عبر “التجارة الرقمية” في محاولات يائسة لتغطية الخسائر. غياب رؤية تسويقية دولية حقيقية جعل “المنتج المغربي” حبيس الرفوف، وجعل الاستثمارات الضخمة التي ضُخت في المصانع (560 طن كطاقة تحويلية) مهددة بالضياع نتيجة سوء التدبير الاستراتيجي.
وقت الرحيل: البحث عن “رجل المرحلة”
إن استمرار محمد الكروج في منصبه، وهو الذي جيء به في سياق سياسي “أخنوشي” بامتياز، أصبح يشكل عبئاً على المشروع الملكي لتقنين القنب الهندي. التقنين اليوم يعاني من “سكتة قلبية” ميدانية لا يمكن علاجها بالتقارير الورقية؛ الدولة اليوم مطالبة بالبحث عن مدير جديد يقطع مع سياسة “الصالونات المكيفة” وينزل إلى الحقول ليفهم أن الفلاح لا يأكل “أرقاماً”، بل يحتاج إلى عدالة في توزيع الرخص وأسواق حقيقية تحميه من الإفلاس.
لقد حان وقت رحيل الكروج، لفتح المجال أمام كفاءة وطنية تضع حداً للمحسوبية، وتعيد الأمل لآلاف الأسر في الريف والشمال، التي رأت في التقنين مخرجاً من “السيبة” لتجد نفسها ضحية “بيروقراطية” أكثر قسوة.






