مراكز النداء بالمغرب أمام منعطف حاسم بعد تشريع فرنسي جديد.. قطاع بنى قوته على كلفة اليد العاملة يواجه اختبار البقاء

يشهد قطاع مراكز النداء بالمغرب حالة ترقب وقلق متصاعد، عقب اعتماد فرنسا تشريعاً قانونياً جديداً يضع قيوداً صارمة على المكالمات التسويقية الهاتفية غير المرغوب فيها، وهو قرار يُرتقب دخوله حيز التنفيذ خلال شهر شتنبر المقبل، ويستهدف بشكل مباشر أحد أهم الأنشطة التي شكلت لسنوات ركيزة أساسية لنمو هذا القطاع.
التشريع الجديد ينص على منع شبه شامل للمكالمات التسويقية الاستكشافية، إلا في حالة الحصول المسبق على موافقة صريحة وموثقة من المستهلك، ما يعني عملياً تضييقاً كبيراً على نموذج عمل اعتمدت عليه آلاف الوظائف المرتبطة بالاتصال الهاتفي الموجه نحو السوق الفرنسية.
ويُعتبر المغرب من أبرز الوجهات العالمية في مجال خدمات “الاستعانة بالمصادر الخارجية” (Offshoring)، حيث استقطب خلال العقدين الأخيرين عدداً كبيراً من الشركات الدولية التي اختارت الاستقرار بالمملكة، مستفيدة بالأساس من انخفاض تكلفة اليد العاملة، وتوفر الكفاءات اللغوية، والقرب الجغرافي من أوروبا.
هذا النموذج، الذي ساهم في خلق عشرات الآلاف من فرص الشغل، ظل مرتبطاً بشكل شبه كلي بالأسواق الأوروبية، وفي مقدمتها السوق الفرنسية التي تستحوذ على النصيب الأكبر من رقم معاملات مراكز النداء المغربية.
مع دخول القانون الفرنسي الجديد حيز التنفيذ، تتزايد المخاوف من انعكاسات مباشرة على نشاط عدد من مراكز النداء، خاصة تلك التي تعتمد بشكل أساسي على التسويق الهاتفي المباشر، في وقت تشير فيه تقديرات رسمية إلى أن القطاع يوفر ما بين 40 ألفاً و50 ألف منصب شغل داخل المغرب.
وتكشف المعطيات المتداولة أن السوق الفرنسية تمثل أكثر من 80 في المائة من رقم معاملات هذا القطاع، ما يجعل أي تغيير تشريعي في فرنسا ذا تأثير مباشر وسريع على سوق الشغل بالمغرب، بالنظر إلى درجة الارتباط الهيكلي بين الطرفين.
في هذا السياق، يبدو أن الشركات الكبرى أكثر قدرة على التكيف مع التحولات الجديدة، بعد أن باشرت منذ سنوات إعادة هيكلة خدماتها، والانتقال تدريجياً نحو مجالات أكثر استقراراً مثل الدعم التقني، وخدمات ما بعد البيع، وإدارة علاقات الزبناء.
في المقابل، تواجه المراكز الصغيرة والمتوسطة وضعاً أكثر هشاشة، نتيجة اعتمادها الكبير على المكالمات التسويقية المباشرة، دون تنويع حقيقي لأنشطتها، ما يجعلها عرضة لتقلص الطلب أو التوقف التدريجي عن النشاط في حال تراجع السوق الفرنسية.
وقد ارتكز حضور عدد من الشركات الدولية في المغرب خلال السنوات الماضية على معادلة اقتصادية واضحة تقوم على خفض تكاليف التشغيل، خصوصاً عبر الاستفادة من كلفة اليد العاملة، التي تبقى أقل مقارنة بعدد من الدول الأوروبية، وهو ما جعل المملكة وجهة مفضلة لخدمات مراكز النداء العابرة للحدود.
هذا المعطى ساهم في خلق دينامية اقتصادية مهمة داخل القطاع، لكنه في المقابل جعله شديد الارتباط بتقلبات الأسواق الخارجية وبالتشريعات الصادرة عنها، خاصة في السوق الفرنسية التي تمثل الشريك الأول.
تُقدر بعض المعطيات أن القطاع يضم أكثر من 600 مركز نداء مرخص، إلى جانب عدد من الوحدات غير المهيكلة، ما يجعل بنية التشغيل داخله غير متجانسة، ويزيد من هشاشة فئات واسعة من العاملين، خصوصاً في ظل الاعتماد الكبير على عقود مرنة مرتبطة بالأداء والسوق الخارجية.
ويرى متتبعون أن أي تراجع في الطلب الأوروبي، خاصة من فرنسا، قد ينعكس بشكل مباشر على استقرار آلاف الوظائف، ما يضع ملف الحماية الاجتماعية داخل هذا القطاع أمام تحديات جديدة.
في مواجهة هذا الوضع، تتجه بعض الشركات نحو تنويع أسواقها، عبر التوسع نحو إفريقيا وأمريكا اللاتينية، أو التحول إلى خدمات رقمية أكثر استقراراً مثل الدعم التقني وإدارة البيانات وخدمات الذكاء الاصطناعي، في محاولة لتقليل الاعتماد على نموذج التسويق الهاتفي التقليدي.
غير أن هذا التحول يظل تدريجياً ومعقداً، بالنظر إلى عمق الارتباط التاريخي بين القطاع والسوق الفرنسية، وصعوبة إعادة هيكلة نموذج اقتصادي ترسخ على مدى سنوات.
التطورات الجديدة تفتح نقاشاً أوسع حول مستقبل نموذج مراكز النداء بالمغرب، وحدود الاعتماد على الأسواق الخارجية في قطاعات حيوية من التشغيل، في ظل عالم اقتصادي تتغير فيه التشريعات الاستهلاكية بسرعة، وتتجه فيه الدول نحو تشديد حماية المستهلك.
وبين تحديات الحفاظ على مناصب الشغل، وضرورة إعادة توجيه القطاع نحو أنشطة أكثر استدامة، يجد المغرب نفسه أمام مرحلة دقيقة تستدعي إعادة التفكير في موقع هذا القطاع ضمن الاقتصاد الوطني، بما يضمن تقليل الهشاشة وتعزيز الاستقلالية الاقتصادية على المدى المتوسط والبعيد.






