سياسة

من “ساحة ترابية” إلى مركب رياضي بمعايير عالية… انطلاق تأهيل ملعب الشعبة بفاس بـ12 مليون درهم يكرّس عدالة مجالية غير مسبوقة داخل الأحياء الشعبية

في خطوة وُصفت بالنوعية ضمن دينامية التأهيل الحضري التي تشهدها العاصمة العلمية، انطلقت رسميًا أشغال تهيئة ملعب “الشعبة” التاريخي بمقاطعة المرنيين بمدينة فاس، بغلاف مالي يُناهز 12 مليون درهم، في إطار رؤية جديدة تستهدف إعادة الاعتبار لفضاءات القرب داخل الأحياء الشعبية ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

ويُعد ملعب الشعبة واحدًا من أبرز الفضاءات الرياضية غير المهيكلة التي ارتبطت لسنوات طويلة بذاكرة شباب المنطقة، حيث ظل عبارة عن ساحة ترابية مفتوحة، تحتضن مباريات كرة القدم العفوية، والدوريات الرمضانية التي كانت تُنظم بمبادرات ذاتية من شباب الأحياء المجاورة. ورغم بساطة بنيته، فقد شكل الملعب متنفسًا رياضيًا واجتماعيًا، ومجالاً لتفريغ الطاقات وصقل المواهب، في ظل محدودية البنيات التحتية الرياضية داخل المنطقة.

غير أن هذا الواقع بدأ يتغير مع انطلاق مشروع إعادة التهيئة، الذي يأتي في سياق مقاربة ترابية جديدة يقودها والي جهة فاس مكناس، خالد آيت طالب، والذي جعل من تعميم التنمية المجالية داخل مختلف الأحياء، بما فيها الشعبية والهامشية، أولوية ضمن برنامج العمل الجهوي. ويؤكد متتبعون أن الوالي، بحكم إلمامه العميق بنسيج المدينة العتيقة وأحيائها العريقة و خبر دروب المناطق الشعبية، تبنّى رؤية تقوم على الإنصاف المجالي، وعدم حصر التأهيل في الشوارع الكبرى أو الواجهات المركزية.

ويشمل المشروع تهيئة شاملة لملعب الشعبة وفق معايير تقنية حديثة، تتضمن أرضية معشوشبة من الجيل الجديد، تسييجًا محكمًا، مدرجات جانبية، مستودعات للملابس، إنارة ليلية بمعايير احترافية، فضلاً عن مرافق صحية، بما يحول الفضاء إلى مركب رياضي للقرب يستجيب لتطلعات شباب المنطقة. كما يرتقب أن تُسهم هذه البنية في تنظيم دوريات محلية وجهوية بشكل منظم، وتعزيز ممارسة الرياضة في ظروف آمنة ومحفزة.

ولم يقتصر الأمر على ملعب الشعبة فقط، بل شمل البرنامج كذلك تأهيل ملعب “الحفرة” بذات المقاطعة، في خطوة تؤشر على مقاربة شمولية تستهدف إعادة تأهيل الفضاءات الرياضية داخل مقاطعة المرنيين، التي تُعد من أكثر المناطق كثافة سكانية بمدينة فاس. وتُصنف هذه الأحياء ضمن المناطق الشعبية التي عانت لسنوات من نقص في البنيات التحتية الرياضية والترفيهية، وهو ما جعل مشاريع التأهيل الحالية تحظى بترحيب واسع من طرف الساكنة.

وقد أُسندت مهمة تنزيل المشروع إلى شركة شركة فاس الجهة للتهيئة، باعتبارها الذراع التقنية والتنفيذية للمشاريع الكبرى على مستوى الجهة. وتشتغل الشركة بتنسيق وثيق مع مصالح ولاية جهة فاس مكناس، لضمان احترام دفاتر التحملات، وتسريع وتيرة الإنجاز وفق الجدول الزمني المحدد.

ويؤكد مسؤولون أن تدخل شركة فاس الجهة للتهيئة يعكس تحولا في منهجية تدبير المشاريع، من خلال اعتماد حكامة تقنية ومالية دقيقة، ومواكبة ميدانية مستمرة لمراحل الإنجاز. كما أن إشراف ولاية الجهة على المشروع يندرج ضمن رؤية استراتيجية تروم توحيد الجهود بين مختلف المتدخلين، بما يضمن تحقيق أثر ملموس على أرض الواقع.

وتأتي هذه المشاريع في سياق أوسع يرتبط بالتحولات الكبرى التي تعرفها المملكة استعدادًا لتنظيم كأس العالم 2030، وهو الحدث الذي يشكل رافعة لتسريع وتيرة الإصلاحات والتأهيل الحضري عبر مختلف المدن المغربية. ورغم أن فاس ليست ضمن المدن المستضيفة للمباريات، إلا أن الدينامية الوطنية الشاملة انعكست عليها بشكل واضح، من خلال إطلاق أوراش بنيوية تمس البنية التحتية، والفضاءات الرياضية، وتحسين جودة العيش.

وفي هذا الإطار، لم يعد التأهيل الحضري مقتصرًا على تزيين الواجهات أو تجديد المحاور الطرقية الكبرى، بل بات يتوغل في عمق الأحياء الشعبية، حيث الحاجة الحقيقية للتدخل. فبعد مشاريع ملاعب القرب الجديدة بمدارة عين السمن، ها هو الدور يصل إلى فضاءات ظلت لعقود خارج دائرة الاهتمام، لتتحول من ساحات ترابية إلى منشآت رياضية عصرية.

ويرى فاعلون جمعويون أن إعادة الاعتبار لملعب الشعبة وملعب الحفرة تحمل بعدًا اجتماعيًا عميقًا، يتجاوز الجانب الرياضي، إذ تُسهم في تعزيز الإدماج الاجتماعي، ومحاربة الهدر المدرسي والانحراف، وخلق فضاءات آمنة للشباب. كما أن تحسين البنيات الرياضية داخل الأحياء الشعبية يعزز الإحساس بالمواطنة والانتماء، ويحد من الفوارق المجالية بين المركز والهامش.

من جهة أخرى، يُنتظر أن تخلق هذه المشاريع فرص شغل مؤقتة خلال مرحلة الإنجاز، فضلاً عن تحريك عجلة الاقتصاد المحلي المرتبط بخدمات الصيانة والتنشيط الرياضي مستقبلاً. وهو ما يعكس البعد التنموي المتكامل للمبادرة، التي لا تُقارب الرياضة باعتبارها نشاطًا ترفيهيًا فقط، بل كمدخل للتنمية البشرية.

وتؤشر انطلاقة أشغال ملعب الشعبة إلى مرحلة جديدة في تدبير الشأن المحلي بفاس، عنوانها تعميم التأهيل، وتعزيز العدالة المجالية، وتثمين الفضاءات التي شكلت ذاكرة جماعية لأجيال من شباب المدينة. فبين الأمس، حين كانت الكرة تُلعب على تراب غير مستوٍ، واليوم حيث تُرسم معالم منشأة رياضية حديثة، تتجسد إرادة واضحة في نقل الأحياء الشعبية من الهامش إلى قلب الاهتمام التنموي.

إنها رسالة مفادها أن التنمية الحضرية ليست حكرًا على المركز، وأن الاستثمار في الشباب يمر حتمًا عبر توفير فضاءات لائقة تمكّنهم من الإبداع والتنافس في بيئة سليمة. وبين إشراف والي الجهة، وانخراط شركة فاس الجهة للتهيئة، تتبلور ملامح نموذج جديد للتأهيل، يعيد التوازن إلى الخريطة الحضرية للعاصمة العلمية، ويمنح الأحياء الشعبية نصيبها المستحق من الإصلاح والتحديث.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى