سياسة

مادة 81… حين تتحول المدرسة العمومية إلى ضحية صمت الوزارة وارتباك القرار

عاد ملف مادة 81 بقطاع التربية الوطنية ليطفو من جديد داخل قبة البرلمان، كواحد من أكثر الملفات حساسية وإثارة للغضب في صفوف نساء ورجال التعليم، بعدما تكشّفت آثارها العملية عن اختلالات عميقة مست مبدأ الإنصاف وضربت الاستقرار المهني عرض الحائط، في ظل عجز واضح لوزارة التربية الوطنية عن تصحيح المسار أو حتى الاعتراف بحجم الضرر.

البرلمان، وهو يمارس دوره الرقابي، أعاد تسليط الضوء على وضعية فئات واسعة من أساتذة التعليم الابتدائي والإعدادي المرتبين في الدرجة الأولى، الذين وجدوا أنفسهم ضحايا تفعيل ميكانيكي لمقتضيات تنظيمية جامدة، لا تراعي لا المسار المهني ولا مبدأ تكافؤ الفرص. فمخرجات تفعيل المادة 81، مقرونة بمرسوم 2019، أفرزت مظلومية حقيقية، خاصة في ما يتعلق بآثار الترقية برسم سنة 2023.

المعضلة لا تكمن فقط في النصوص، بل في طريقة تدبيرها. إذ جرى إقصاء أفواج متتالية من الأساتذة، ممن استوفوا الشروط القانونية من أقدمية ومسار مهني، من حقهم في الترشح للترقية إلى خارج السلم برسم سنة 2024، فقط لأنهم وقعوا ضحية حسابات إدارية ضيقة وتأويلات تنظيمية بلا روح. أفواج سنوات متتالية أُغلقت في وجهها الأبواب، لا بالمنطق ولا بالعدل، بل بمنطق “الملف أغلق” و”النص لا يسمح”.

هنا تتجه أصابع الاتهام مباشرة نحو وزير التربية الوطنية، الذي اختار، منذ تحمله المسؤولية، سياسة الهروب إلى الأمام، والاكتفاء بتبرير الأعطاب بدل معالجتها. فلا مبادرة تشريعية لتصحيح الاختلال، ولا شجاعة سياسية للاعتراف بوجود ضرر جماعي، ولا حتى رؤية واضحة لإعادة الاعتبار لهيئة التدريس التي تُحمَّل وحدها كلفة فشل السياسات العمومية في التعليم.

الأخطر من ذلك، أن هذا التعاطي البارد مع ملف بالغ الحساسية يبعث برسائل سلبية داخل المنظومة التربوية: الإحباط بدل التحفيز، واللاعدالة بدل الاستحقاق، والاحتقان بدل الاستقرار. وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن إصلاح المدرسة العمومية، في الوقت الذي يُظلم فيه من يفترض أنهم عماد الإصلاح؟

البرلمان، وهو يثير هذا الملف، لم يكن بصدد تسجيل موقف عابر، بل دق ناقوس الخطر حول انزلاق خطير في تدبير الموارد البشرية بقطاع حيوي. فاستمرار تجاهل مطلب جبر الضرر، ورفض فتح باب المراجعة التنظيمية، يعني تكريس الحيف، وتوسيع هوة الثقة بين الوزارة والأساتذة.

اليوم، لم يعد النقاش تقنياً ولا محصوراً في مادة قانونية، بل أصبح نقاشاً سياسياً وأخلاقياً بامتياز. إما أن تتحمل الوزارة مسؤوليتها كاملة، وتبادر إلى إنصاف المتضررين عبر حلول استثنائية عادلة، أو تستمر في سياسة الصمت، وتتحمل وحدها تبعات انفجار اجتماعي جديد داخل المدرسة العمومية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى