سياسة

تخليق الحياة السياسية بالمغرب: هل تستجيب الداخلية لصرخة منع “الفاسدين وتجار تعدد المناصب”؟

عقدت وزارة الداخلية المغربية اجتماعاً جديداً مع الأحزاب السياسية، لاستكمال مشاورات تعديل قوانين الانتخابات التشريعية لسنة 2026. هذا المسار، الذي يُفترض أن يكون مدخلاً لـتخليق الحياة العامة وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات، يواجه تحدياً وجودياً: هل ستكون التعديلات مجرد رتوش تقنية، أم أنها ستقتلع جذور الفساد الانتخابي وتضارب المصالح الذي ينهش المؤسسات المنتخبة؟

تشير المصادر الحزبية إلى أن هناك شبه إجماع بين مختلف الأطياف السياسية على ضرورة القطع مع جميع أشكال الفساد الانتخابي، وعلى رأسها منع المتهمين بالفساد أو المدانين في جرائم مالية من الترشح للانتخابات المقبلة. هذا المطلب ليس ترفاً ديمقراطياً، بل هو ضرورة حيوية لإنقاذ المؤسسة التشريعية والترابية من براثن النخب الفاسدة التي حولت العملية الديمقراطية إلى سوق للمصالح.

إذا كانت مكافحة الفساد الانتخابي هي الهدف المعلن، فإن صلب الإصلاح الحقيقي يكمن في إقرار تعديل جوهري لا يمكن التغاضي عنه: منع تعدد المناصب وجعل ذلك منافياً للقانون. هذا المطلب، الذي يجب أن يكون بنداً لا تفاوض فيه في مدونة الانتخابات، يهدف إلى تفكيك شبكة المصالح المتشابكة التي تقف عائقاً أمام فعالية التدبير العمومي وخدمة المواطن.

يجب أن يصبح منع الوزراء من ترؤس الجماعات الترابية أو تقلد أي منصب انتخابي آخر قانوناً ملزماً. فشغل الوزير لمنصب رئاسة جماعة أو جهة يخلق تضارباً صارخاً في المصالح، ويهدر وقته وجهده الذي يفترض أن يكون مكرساً بالكامل للإدارة المركزية وتنزيل السياسات العمومية الوطنية. الوزارة تتطلب تفريغاً كلياً، والاكتفاء بمنصب واحد هو أساس الحكامة والمسؤولية.

يمتد هذا المطلب الإصلاحي ليشمل البرلمانيين أيضاً، بمنعهم من تعدد المناصب، وخصوصاً منعهم من تقلد أي صفة داخل الجماعات الترابية، الغرف المهنية، أو المجالس الجهوية.

لماذا هذا الإصلاح حاسم؟

  1. مكافحة الفساد وتخليق المؤسسات: هناك إجماع شبه وطني على أن جزءاً كبيراً من الجرائم المالية وسوء التدبير مرتبط بشكل مباشر بـتراكم المناصب في يد شخص واحد (وزير/برلماني ورئيس جماعة). الإحصائيات الرسمية وغير الرسمية تشير إلى أن أكثر من 33 برلمانياً تعرضوا لإدانات أو تحقيقات في جرائم مالية ارتكبت أثناء ترؤسهم للجماعات أو عضويتهم في مكاتبها. هذا يسيء بشكل فاضح إلى المؤسسة التشريعية ويهدر كل جهود تخليقها.
  2. تنزيل الرؤية الملكية: يشكل هذا التعديل استجابة مباشرة لـالرسالة الملكية السامية حول تخليق الحياة السياسية، التي أكدت على ضرورة تنقية المؤسسات المنتخبة. منع البرلماني من أي صفة بالجماعات هو الضربة القاضية لـ”الريع الانتخابي” وتضارب المصالح.
  3. تفعيل مبدأ تكافؤ الفرص: عندما يستأثر شخص واحد بعدة مناصب، فإنه يحرم كفاءات أخرى من فرصة المشاركة في تدبير الشأن العام، ويخنق الحياة السياسية المحلية. التفرغ للمنصب الواحد يضمن المشاركة الواسعة ويعطي فرصاً لدماء جديدة.
  4. تحسين فعالية الأداء: تعدد المناصب يؤدي حتماً إلى تشتيت الجهود، تعثر المشاريع، وتنامي الاحتقان الشعبي. لا يمكن لبرلماني أو وزير أن يدير جماعة بكفاءة وهو مكبل بمسؤوليات مركزية أو تشريعية أخرى. التفرغ يضمن فعالية أكبر وخدمة أفضل لمصلحة المواطنين.

إن المؤشرات التي قدمتها وزارة الداخلية بشأن إمكانية منع “الناخبين المتهمين بالفساد من الترشح” هي خطوة أولى مشجعة. لكن هذا وحده ليس كافياً. الحقيقة أن الوزارة تواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيتها في هذه التعديلات.

إن مدونة الانتخابات لا يمكن إصلاحها إلا عبر قطع طريق العودة على النخب التي تجمع بين السلطة والمال والنفوذ من خلال تعدد المناصب. كل ما دون ذلك، من تعديلات شكلية أو تقنية، هو مجرد “زبد ذاهب”، لن يزيد إلا في إضعاف ثقة المواطن في صناديق الاقتراع.

الإصلاح الجذري يبدأ هنا: بتعديل قانوني صريح ونافذ يمنع الوزراء والبرلمانيين تحديداً من أي منصب انتخابي محلي أو جهوي أو مهني، لتفادي تضارب المصالح وضمان تفرغهم الكامل لخدمة المصالح الوطنية والتشريعية. هل ستستجيب وزارة الداخلية لـصرخة التخليق، أم ستكتفي بمقاربات “اللعب على الهوامش”؟ إن الشعب ينتظر إصلاحاً جوهرياً، لا مجرد تصحيح شكلي للمساطر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى