سياسة

“وصاية المركز” تخنق “الجهوية المتقدمة”: تقرير يكشف عن ثغرات قاتلة في عقود الدولة مع الجهات

يواجه مشروع “الجهوية المتقدمة” في المغرب تحديات جسيمة تهدد بتعطيل مساره، وتكشف عن فجوة عميقة بين الشعارات والواقع. ففي ظل غياب رؤية استراتيجية واضحة وأساس قانوني متين، يبدو أن العلاقة بين الدولة والجهات تظل رهينة “الوصاية المركزية”، مما يقوض فعالية الأداة الرئيسية لتفعيل اللامركزية: عقود البرامج.

تقرير حديث أصدره معهد تحليل السياسات العمومية يضع اليد على الجرح، مؤكدًا أن هذه العقود، رغم أهميتها كآلية لتحقيق التنمية، تعاني من قصور هيكلي يحد من قدرتها على تحرير طاقات الجهات. فبعد مرور سنوات على إقرار دستور 2011 والقانون التنظيمي للجهات، لم يتم تفعيل هذه الآلية بالشكل المأمول، مما يعكس ازدواجية مقلقة في المشهد التنموي: جهات تسعى بجدية لتدارك التأخر، وأخرى تواصل العمل بعقلية ما قبل “الجهوية المتقدمة”.

التقرير يكشف عن حقائق صادمة؛ فمن بين اثنتي عشرة جهة، لم يوقع على عقود البرامج سوى عدد قليل منها، بينما لم تبذل الجهات الأخرى أي جهد لتجسيد هذه الآلية. الأسوأ من ذلك، أن مجالس الجهات الجديدة، المنبثقة عن انتخابات أكتوبر 2021، تأخرت بشكل غير مبرر في المصادقة على هذه العقود، مما أدى إلى تعثر مشاريع تنموية عاجلة كان من المفترض أن ترى النور.

هذا التأخير يعود لأسباب متعددة، منها التأخر في إعداد البرامج والتأشير عليها، وعدم احترام المساطر القانونية، بالإضافة إلى غياب الوعي بأهمية التعاقد لدى القطاعات الوزارية. كل ذلك أدى إلى نتائج كارثية، حيث لم تتجاوز نسبة المشاريع المنجزة فعليًا في إطار العقود المبرمة بين 2020 و 2022 حاجز 9% فقط، وهو ما يتنافى مع الطابع الاستعجالي المفترض لهذه الآلية.

ويطرح التقرير سؤالًا جوهريًا حول طبيعة هذه العلاقة: هل هي شراكة حقيقية أم وسيلة جديدة للمركز للسيطرة على القرار الجهوي؟ التقرير يشير إلى أن عقود البرامج قد تتحول إلى قناة للتحكم المركزي، حيث تُصاغ القرارات وفقًا لحسابات “المركز”، تاركةً للجهات مهمة ضخ التمويلات والمصادقة على ما أُعد لها. هذا الوضع يفرغ “الجهوية المتقدمة” من محتواها الديمقراطي ويجعلها مجرد واجهة.

كما يحذر التقرير من أن هذا القصور يعمق التفاوتات المجالية بين الجهات “النافعة” التي تحظى بدعم أكبر، والجهات “غير النافعة” التي تظل تعاني من ضعف مؤشرات التنمية. هذه الفوارق لا تؤثر فقط على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، بل تقوض أيضًا الدور الريادي للجهات في قيادة التنمية على أراضيها.

رغم الصورة القاتمة، لا يدعو التقرير إلى التخلي عن عقود البرامج، بل يعتبرها آلية ضرورية. ويقدم خارطة طريق لتجاوز هذه التحديات، تبدأ بتقوية الاستقلال الإداري والمالي للجهات، وتحديد اختصاصاتها بشكل واضح لإنهاء التداخل مع مهام الفاعلين المركزيين.

كما يشدد التقرير على ضرورة وضع إطار قانوني ملزم يضمن حرية التعاقد للجهات ويحدد بوضوح أدوار ومسؤوليات كل طرف، مع فرض جزاءات على الأطراف التي تتملص من التزاماتها المالية.

إن السبيل الوحيد لإنجاح مشروع “الجهوية المتقدمة” هو الانتقال من منطق الوصاية إلى منطق الشراكة الحقيقية، ومن الشعارات إلى الإجراءات الملموسة. فهل ستستجيب الحكومة لهذه التوصيات لإنقاذ ورش طموح وواعد؟ أم ستبقى الجهات مقيدة بقيود المركزية، لتظل “الجهوية المتقدمة” مجرد حبر على ورق؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى