سياسة

حكومة على صفيح ساخن… هل يفتح المجلس الوزاري القادم باب التعديل أم يُعلن مرحلة جديدة في المشهد السياسي المغربي؟

تترقب الأوساط السياسية والإعلامية في المغرب انعقاد المجلس الوزاري المقبل، المرتقب بعد الجمعة الثانية من أكتوبر، وسط حالة ترقب وفضول غير مسبوق بشأن ما إذا كان رئيس الحكومة عزيز أخنوش سيطرح أمام جلالة الملك ملتمساً لتغيير بعض الوجوه الوزارية التي وُصمت بضعف الأداء وأشعلت فتيل الاحتجاجات في الشارع، أم أن الحكومة ستختار الرهان على الاستمرارية والهدوء لتكمل ولايتها الانتدابية إلى غاية انتخابات 2026.

السيناريوهات متعددة، لكن الحقيقة الواضحة هي أن المغرب يعيش لحظة مفصلية بين الغضب الشعبي وإعادة بناء الثقة، وبين حكومة تحاول لملمة صفوفها وشارع بدأ يتراجع بعد موجة احتقان غير مسبوقة.

بعد أيام من التوترات، خفتت حدة الاحتجاجات في عدد من المدن، وبدأت بوادر الانفراج تظهر في الأفق السياسي.
الشعارات التي كانت تملأ الساحات خفت صوتها، والمزاج العام انتقل من الغضب الحاد إلى الانتظار الحذر.
ويبدو أن الحكومة استوعبت أخيراً الرسالة، إذ بدأ الوزراء الذين غابوا طويلاً عن الإعلام يخرجون إلى الرأي العام بخطاب جديد، أقل تبريراً وأكثر واقعية.

من وزارة التعليم إلى الصحة ، عاد التواصل إلى الواجهة، في محاولة واضحة لإصلاح ما أفسدته شهور من الصمت والتجاهل.
وبينما يستعيد الشارع هدوءه النسبي، تستعيد الحكومة قدرتها على المبادرة، خصوصاً مع اقتراب موعد المجلس الوزاري الذي سيكون، دون شك، أول اختبار سياسي حقيقي بعد العاصفة.

المجلس الوزاري المنتظر لن يكون عادياً.
فبعد فترة من الاحتقان والانتقادات، ينتظر الجميع أن يخرج هذا اللقاء بتوجيهات حاسمة من جلالة الملك بخصوص طريقة اشتغال الحكومة، وربما رسائل مباشرة حول ضرورة تسريع وتيرة الإصلاحات الاجتماعية والتنموية، وخاصة في قطاعي الصحة والتعليم اللذين كانا في صلب الغضب الشعبي.

ويطرح السؤال اليوم بإلحاح:
هل سيتوجه رئيس الحكومة نحو تعديل محدود في بعض الحقائب الوزارية التي فشلت في التواصل والتدبير؟
أم أن الدولة اختارت الاستقرار والاستمرار، معتبرة أن الظرفية لا تحتمل أي زلزال سياسي جديد؟

كل الاحتمالات واردة، غير أن ما يبدو واضحاً هو أن الخيارات الكبرى ستُحسم بناءً على المزاج العام للشارع، وسرعة استعادة الثقة بين الحكومة والمواطنين.

المؤشرات القادمة من رئاسة الحكومة تفيد بأن عزيز أخنوش عازم على المضي في ولايته حتى نهايتها، وأن فكرة التراجع أو الاستقالة غير واردة إطلاقاً.
بل أكثر من ذلك، يرى المقربون منه أن الوقت الحالي يشكل فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وتثبيت صورة حكومة قادرة على الصمود في وجه الأزمات، خصوصاً بعد تراجع حدة الغضب الشعبي.

وبينما يستعيد الشارع هدوءه، تستعد الحكومة لمرحلة جديدة عنوانها التنفيذ بدل التبرير.
ملفات الحماية الاجتماعية، إصلاح المنظومة التعليمية، وتعميم التغطية الصحية، كلها أوراش أصبحت الآن في قلب الرهان السياسي للحكومة خلال ما تبقى من ولايتها.

تشير مصادر سياسية مطلعة إلى أن رئيس الحكومة بات همه الأول اليوم هو استكمال ولايته الحالية والتجاوب العملي مع مطالب الشارع، بعدما أدرك أن أي تفكير في ولاية ثانية سابق لأوانه في ظل الظروف الحالية.
التركيز الآن منصب على إعادة بناء الثقة، وامتصاص آثار الغضب الشعبي، وإعطاء نتائج ملموسة في الميدان.

في المقابل، يرتقب أن تكشف مدونة الانتخابات الجديدة المرتقب عرضها خلال السنة المقبلة الكثير من ملامح المشهد السياسي القادم، خاصة في ظل توقعات بإعادة ترتيب الخريطة الحزبية والتحالفات.
كما أن تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم 2025 سيكون لحظة فارقة ذات دلالات عميقة، ليس فقط رياضياً، بل سياسياً واقتصادياً أيضاً، إذ يمثل فرصة لاستعادة صورة البلاد كدولة مستقرة قادرة على إنجاح التحديات الكبرى.

ومن المرجح أن يشكل الحدث الرياضي القاري مناسبة لانطلاقة جديدة للمشهد السياسي الوطني، تُعيد الإيقاع إلى طبيعته وتمنح الحكومة دفعة جديدة نحو الاستقرار مع مطلع السنة المقبلة.

استمرار الوضع الحالي دون تغيير جذري قد يبدو للبعض استقراراً، لكنه قد يتحول إلى خطر صامت إن لم يُترجم بإصلاحات ملموسة.
غير أن كل البوادر تشير إلى أن الحكومة بدأت تستعيد توازنها، وأن الرهان المقبل سيكون على العمل الميداني والنتائج، لا على تبديل الوجوه أو توزيع المسؤوليات من جديد.

فالمؤسسات العليا للدولة تفضل، في هذه المرحلة الدقيقة، الهدوء والتدرج على الارتباك والتجريب، خاصة وأن ملفات كبرى على وشك الانطلاق أو في طور الحسم، أبرزها ورش الاستثمار الصناعي والطاقي، وإنهاء برنامج الدعم الاجتماعي المباشر و التغطية الصحية.

يبقى المجلس الوزاري المقبل أكثر من مجرد اجتماع عادي، بل لحظة سياسية حاسمة لتحديد مستقبل المرحلة القادمة.
فإما أن تخرج منه الحكومة بتصحيح المسار ورسائل ثقة جديدة، أو أن تؤكد أنها ستواصل طريقها بنفس الإيقاع، على أمل أن يترجم الهدوء الشعبي إلى دعم سياسي في المدى المتوسط.

لكن المؤكد أن أخنوش اليوم أمام فرصة أخيرة لترميم الثقة و تسريع تنزيل مواصلة الإصلاح و محاربة الفساد القطاعي، وإعادة رسم علاقة حكومته بالمواطنين،وتبني تواصل سهل و شفاف وواقعي، بعدما أنهكتها سنوات من الصمت والقرارات غير المفهومة.

وفي بلد يتغير بسرعة مثل المغرب، الاستقرار ليس ضماناً للبقاء، بل مسؤولية مضاعفة تجاه الشارع والتاريخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى